بالشمع الأحمر

صراعات عرائس «الماريونيت»!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


هدنة توقع الكثيرون إصابتها بهشاشة العظام، ومع ذلك بدأ كل طرف يتباهى بانتصاره، عبْر تزييف حسابات الأرباح والخسائر، والتلاعب بمعايير تقييم كلتيهما، بعد أن سلبنا من الأرقام براءتها، ونزعنا قدراتها الفطرية على الحسم، ليتحول النصر أو الهزيمة إلى «وجهات نظر».
فى الماضى كان العبث بالحقيقة أمراً يمكن استيعابه، فالبث ليس على الهواء مباشرة، والتعتيم مطروح فى ظل احتكار المعلومات أو حجبها، لكن الغريب أن يحدث ذلك بينما نتابع المعارك لحظة بلحظة، ونشجّع أحد الطرفين بأسلوب مباريات كرة القدم، بل يبلغ الجنون مداه بدخول الحروب دوائر المراهنات، تماماً مثلما يجرى فى سباقات الخيل والسيارات ومباريات الألعاب الشعبية، عيوننا وسط رؤوسنا ونحن نشاهد الصواريخ تتساقط والنيران تتصاعد، وأرقام الضحايا «تقلب» عداداتها أمامنا، ونرصد مقولة خالدة تلفظ أنفاسها الأخيرة، هى أن الصورة بألف كلمة، فالكلام المباح وغير المباح قضى على مصداقية الصور.
الغريب أن الصراع على احتكار النصر لم يقتصر على مَن خاضوا الحرب، بل امتد إلى مَن يجلسون فى صفوف المشجّعين! ولم يكتف هؤلاء بالحرائق المندلعة، بل أشعلوا نيران الكراهية أو سقطوا فى فخاخ من خططوا لها، وانطلقت على منصات التواصل معارك أخرى، نُكرّس فيها لانقساماتنا ونحتفى بفقدان مناعتنا القومية، ونتبادل الاتهامات ونبتدع أشكالاً من التنميط السلبي، فى عصور سابقة كانت الأنظمة الحاكمة تتصارع بينما قلوب البشر متقاربة، والآن صارت الشعوب وقود الفتنة، رغم أن الدبلوماسية الرسمية تحاول رأب الصدع، ولا ينتبه الكثيرون إلى كونهم مجرد عرائس «ماريونيت» فى عرضٍ هزلى تم التخطيط له بدقة، بدأ قبل فترة عبر خلافات مشجعى المنتخبات العربية، وتصاعد إلى التشكيك المتبادل فى ثوابت وطنية لا يجوز العبث بها، لنجد أنفسنا أمام مزيج مذهل بين عقولٍ أتلفها الهوى وحقارة سابقة التجهيز، هنا لا فرق كبيراً بين حُسن وسوء النوايا، لأن النتيجة واحدة.. تتمثل فى تعميق الشروخ بدلاً من ترميمها، ووقتها سوف يكون النصر الحقيقى للأسف، حليف عدوٍ تاريخى عرف كيف يلعب بمصائرنا.