خريطة رقمية ذكية لحماية كنوز الطبيعة من الاندثار
النباتات المعمرة «قطع أثرية» حية فى سجلات التراث
بعضها ارتبط تاريخيًا بأحداث كبرى أو شخصيات ملهمة
فرض عقوبات رادعة على المخربين مع تعزيز الرقابة
إشراك المجتمعات المحلية فى برامج الحماية يضمن الاستمرارية
تعد الأشجار المعمرة والنادرة فى مصر إرثًا جماليًا وحضاريًا يستوجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة، التاريخ المصرى لا يكتب فقط على أوراق البردى أو جدران المعابد، بل تنطق به جذور ضاربة فى عمق الأرض شهدت على تحولات الزمان وصاغت وجدان الأمكنة، والجهاز القومى للتنسيق الحضارى يتبنى اليوم رؤية متكاملة لدمج هذه الثروة الطبيعية ضمن برامج التراث الوطنى، والتعامل معها كمعالم ثقافية وبيئية فريدة لا تقل قيمة عن التراث العمرانى..
اقرأ أيضًا| القومي للتنسيق الحضاري يعقد ورشة لمهندسي الأحياء عن اشتراطات الإعلانات بالمناطق التراثية
المشروع الطموح الذى يقوده المهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، يهدف إلى توثيق هذه الثروة، وتطوير سياسات مستدامة لحمايتها عبر استغلال أدوات التكنولوجيا الحديثة ونظم المعلومات الجغرافية، والحفاظ على هذه الكائنات الحية يمثل خطوة ضرورية لحماية هوية مصر البيئية وتعزيز مكانتها العالمية فى صون التراث الطبيعى..
تحاور الأخبار فى السطور التالية رئيس جهاز التنسيق الحضارى، لنكشف تفاصيل المبادرة الوطنية التى تحول الأشجار من مجرد مساحات خضراء إلى وثائق تاريخية محمية بقوة القانون والوعى المجتمعى.
تمثل الأشجار المعمرة بعدًا جديدًا فى مفهوم التراث الذى يعمل عليه الجهاز، فما هى الفلسفة التى ينطلق منها هذا المشروع؟
الرؤية الأساسية ترتكز على الحفاظ على الأشجار المعمرة والنادرة باعتبارها مكونًا أساسيًا من التراث الطبيعى لمصر، وتعزيز دورها فى تحقيق استدامة التنوع البيئى، نحن ننظر إلى هذه الأشجار كإرث حضارى يتجاوز قيمتها البيئية ليصل إلى قيمتها كمعالم ثقافية وجمالية، الرسالة التى نسعى لإيصالها هى تطوير سياسات واستراتيجيات متكاملة لحصر وتوثيق هذه الأشجار، مع العمل على حمايتها وإدماجها ضمن الهوية البيئية والتراث الثقافى الوطنى.
اقرأ أيضًا| جائزة الحفاظ على التراث لـ«تمارا هاوس.. أيقونة القاهرة»
يربط الكثيرون التراث بالمبانى فقط، كيف يتقاطع التراث الطبيعى مع التاريخ الإنسانى فى هذا المشروع؟
الارتباط الثقافى والتاريخى هو أحد أهم ركائز عملنا، فبعض الأشجار ارتبطت تاريخيًا بأحداث كبرى، أو شخصيات وطنية ملهمة، أو حتى أساطير شعبية محلية، هذا التمازج يجعلها إرثًا يجمع بين الطبيعة والوجدان الإنسانى، توثيق هذه الأشجار يمثل رصدًا لشواهد حية على تاريخ المنطقة وتطورها البيئى، وهى تعامل اليوم كقطع أثرية طبيعية لا تقل قيمة عن المنشآت التاريخية.
ما هى الأهداف الاستراتيجية التى يسعى الجهاز لتحقيقها من خلال هذا الحصر الشامل؟
تتصدر قائمة أهدافنا عملية توثيق الأشجار النادرة والمعمرة وإدراجها رسميًا ضمن قائمة الأرشيف الوطنى للتراث، نسعى كذلك إلى تحديد مواقع هذه الأشجار بدقة متناهية، وحمايتها من كافة أشكال التعديات أو المخاطر الطبيعية والبشرية التى قد تهدد بقاءها، وضع سياسات مستدامة لإدارة هذه الأشجار وحفظها يعد غاية رئيسية لضمان انتقال هذا الإرث للأجيال القادمة.
تلعب التكنولوجيا دورًا محوريًا فى مشروعاتكم الحديثة، كيف يتم توظيف التقنيات الرقمية فى حماية الأشجار؟
التكنولوجيا هى الأداة التى تضمن دقة واستدامة التوثيق، حيث نعتمد على نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لرسم خريطة رقمية دقيقة توضح توزيع الأشجار على مستوى الجمهورية، القاعدة البياناتية التى نعكف على إنشائها تتضمن إحداثيات دقيقة باستخدام (GPS)، بجانب تسجيل النوع النباتى، العمر التقديرى، والحالة الصحية لكل شجرة، فالخرائط التفاعلية التى نستخدمها تعتمد رموزًا ملونة؛ فاللون الأخضر يشير للأشجار الصحية، والأصفر للمهددة، بينما يحدد اللون الأحمر الحالات التى تحتاج لتدخل عاجل.
هل هناك تعاون مع جهات أخرى لضمان تنفيذ هذا المشروع الضخم؟
تتطلب ضخامة هذا العمل تكاتفًا واسعًا، ولذلك نحن نعمل بشكل وثيق مع وزارة البيئة، ووزارة الاتصالات، وومركز توثيق التراث الطبيعى، بالإضافة إلى الجمعيات الأهلية والجهات المحلية، والتعاون يمتد أيضًا إلى المستوى الدولى، حيث نسعى للتنسيق مع منظمات مثل «اليونسكو» والمنظمات المهتمة بالتراث لتعزيز جهود الحماية وبحث فرص التمويل الدولى لدعم برامج الحفظ.
كيف سينعكس هذا المشروع على المواطن المصرى وعلى حركة السياحة؟
تعزيز الوعى المجتمعى بأهمية هذه الأشجار كجزء من الهوية هو أحد أهم النتائج المتوقعة للمشروع. التنمية السياحية ستشهد طفرة من خلال دمج الأشجار المعمرة ضمن المسارات السياحية والثقافية والترويج للسياحة البيئية، نحن نخطط لوضع لوحات تعريفية بجانب كل شجرة تراثية تسرد تاريخها وقيمتها، مما يرفع من وعى الزوار والمواطنين بأهمية الحفاظ على الطبيعة.
ما هى الآليات القانونية التى يطرحها الجهاز لضمان عدم المساس بهذه الأشجار؟
الحماية القانونية هى الدرع الذى يحمى مخرجات هذا المشروع، ونحن نعمل على تطوير التشريعات والقوانين التى تمنع قطع هذه الأشجار أو التعدى عليها، فرض عقوبات رادعة على المخالفين مع تعزيز الرقابة المستمرة هو السبيل الوحيد لردع أى محاولات للنيل من هذا التراث، المشروع فى جوهره هو نموذج للتكامل بين صون الطبيعة وحماية التراث الوطني، وهو ما يضع مصر فى مكانة عالمية متميزة فى هذا الملف.
تضمن المشروع تصنيفًا دقيقًا للأشجار التراثية، فما هى المعايير العلمية التى استندتم إليها فى هذا الاختيار؟
تحديد الأشجار التراثية خضع لمعايير دقيقة تتجاوز مجرد الشكل الجمالى، حيث ركزنا على العمر الزمنى، والنوع النباتى النادر، بجانب القيمة التاريخية أو الثقافية المرتبطة بالشجرة، إعداد سجل وطنى يتضمن كافة هذه الأشجار وتصنيفها علميًا يمثل الخطوة الأولى لضمان الاعتراف بها كجزء من التراث الوطنى، بعض الأشجار تم اختيارها لكونها مواطن طبيعية لأنواع مختلفة من الكائنات الحية، مما يعزز التنوع البيولوجى فى قلب المناطق الحضرية.
ذكرتم «الخريطة التفاعلية» كأداة حماية، كيف تسهم هذه الخريطة فى التدخل السريع للحفاظ على الأشجار المهددة؟
استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) يتيح لنا رسم خريطة رقمية شاملة توضح توزيع الأشجار المعمرة والنادرة على مستوى الجمهورية. الرموز الملونة التى اعتمدناها فى الخريطة تعمل كجهاز إنذار مبكر؛ فاللون الأصفر ينبهنا للأشجار المهددة، بينما يستدعى اللون الأحمر تدخلاً عاجلاً لإنقاذ الشجرة من خطر محدق، هذه البيانات يتم تحديثها باستمرار لتشمل الحالة الصحية والمخاطر المحيطة بكل موقع جرافى.
يواجه العالم تحديات مناخية جسيمة، هل لهذا المشروع دور فى استراتيجية مصر لمواجهة التغير المناخى؟
تمثل الأشجار المعمرة مخازن طبيعية للكربون، وتلعب دورًا جوهريًا فى تخفيف آثار التغير المناخى من خلال تحسين جودة الهواء وتنظيم درجات الحرارة، الحفاظ على هذه الأشجار يساهم فى استدامة البيئة عبر دورها فى دورة المياه، وتثبيت التربة، وتنظيم المناخ المحلى فى المدن، المشروع يعزز من قدرة المناطق الحضرية على التكيف مع التحولات البيئية، مما يجعل التراث الطبيعى ركيزة فى خطط التنمية المستدامة.
التوعية المجتمعية ركن أساسى فى رؤيتكم، فكيف يمكن للمواطن البسيط أن يصبح شريكًا فى حماية هذا التراث؟
إشراك المجتمعات المحلية المحيطة بهذه الأشجار فى برامج الحماية يضمن استمرارية المشروع ونجاحه على المدى الطويل، رفع الوعى بأهمية الأشجار كجزء من الهوية المحلية يحول المواطن من مراقب إلى حارس لهذا الإرث، تنظيم حملات توعوية حول دور الأشجار فى حماية التراث الطبيعى يسهم فى غرس ثقافة الحفاظ على الطبيعة لدى الأجيال القادمة.
هل هناك توجه لربط هذا المشروع بالبحث العلمى الأكاديمى فى الجامعات المصرية؟
تشجيع الأبحاث المتعلقة بالأشجار المعمرة يمثل أحد استراتيجيات التنفيذ لدينا لفهم الخصائص الفريدة لهذه الأشجار وكيفية حمايتها علميًا، التطبيق الرقمى الذى يجرى تطويره سيسمح للباحثين بالوصول إلى بيانات دقيقة حول مواقع الأشجار التراثية وتاريخها، نحن نسعى لأن يكون هذا المشروع نموذجًا للتكامل بين العمل الميدانى والبحث العلمى، بما يخدم الأهداف الوطنية لحماية البيئة وصون التراث.
ما هى الرسالة التى يوجهها جهاز التنسيق الحضارى للعالم من خلال هذا المشروع؟
صون التراث الطبيعى والثقافى يعكس رقى الأمم وتقديرها لتاريخها، وهذا المشروع يبرز مكانة مصر العالمية فى هذا المجال، التكامل بين الحفاظ على البيئة وحماية الإرث الحضارى يمثل رسالة قوية حول التزام الدولة المصرية بحماية مواردها الطبيعية للأجيال القادمة، الاعتراف بالأشجار المعمرة كجزء من التراث الوطنى هو خطوة ضرورية لحماية تاريخ مصر الطبيعى الذى نعتز به جميعًا.
كلمة أخيرة حول النتائج التى تأملون الوصول إليها فى نهاية هذا العمل؟
الاعتراف الرسمى والشعبى بالأشجار المعمرة كجزء أصيل من التراث الوطنى هو النجاح الحقيقى الذى ننشده، حماية هذه الموارد الطبيعية للأجيال القادمة ليست مجرد مهمة إدارية، بل هى واجب وطنى لضمان استمرار شواهد تاريخنا قائمة وتنبض بالحياة، فالجهاز القومى للتنسيق الحضارى سيظل ملتزمًا بتقديم كل ما يحفظ لمصر ملامحها الجمالية والتراثية الفريدة.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







