الحروب لا تدوم، ستنتهى إن لم يكن اليوم فغدًا، والمواجهات المستمرة منذ أسابيع بين أمريكا وإسرائيل وإيران، ليست استثناء من هذه القاعدة، ولكن علينا ألا نغرق أنفسنا فى التفاصيل أو التصريحات اليومية - رغم أهميتها - فهى تتبدل كل ساعة من النقيض إلى النقيض، وجزء منها ضغوط سياسية، وشحذ همم، ولكن الأهم هو ماذا بعد صمت المدافع؟، والسؤال الأكبر هو شكل منطقة الشرق الأوسط، صحيح أنها عانت من حالة عدم استقرار تاريخى مستمر طوال حقب عديدة، وكانت ساحة لصراعات وحروب، ولكننى لا أبالغ إذا قلت إن المواجهات الأخيرة هى الأخطر، فهى المرة الأولى منذ عقود أن نشهد مثل هذه حرب مفتوحة بين إيران وإسرائيل، اللذين اكتفيا بحروب بالوكالة وعلى ساحات عربية، كما أنها أول مواجهة لأمريكا بكل قدراتها العسكرية فى تلك المواجهة، بعد ٤٧ عامًا كاملة، فى ظل حديث علنى عن رسم خريطة جديدة لشرق أوسط، ومن الطبيعى أن يكون اهتمامى منصبًا على فكرة أين العالم العربى، ومنه دول الخليج؟
ودعونا نشر إلى دور وشكل الأطراف الثلاثة، التى تشهد المواجهات، وهى فى نفس الوقت ركائز أساسية فى الخريطة الجديدة وهى كالتالى:
إيران: والتى تعانى من حالة (إنهاك حقيقى)، ولكنها تظل كـ (الأسد الجريح) فهى أضعف من أى وقت مضى، بعد خسارة قادتها، باستهداف الصفين الأول والثانى من القيادات الإيرانية السياسية والعسكرية، وتصفية شخصيات بارزة على أعلى المستويات، بمن فيهم المرشد الأعلى على خامنئى نفسه، وتضرر قدراتها العسكرية والنووية، وتدمير أنظمة الدفاع الجوى، وصناعاته الدفاعية ومنشآت الصواريخ البالستية، ودفن منشأتها النووية، مع إضعاف برنامجها الصاروخى بصورة كبيرة، مع نزف اقتصادى واسع باستهداف البنية التحتية، ولا ننسى مرور علاقاتها مع دول الجوار بأزمة حقيقية، ولكن ذلك كله لا يعنى زوال خطرها، ومن المهم معرفة أين موقعها من أى تسوية بعد الحرب؟ هل الأمر مرشح لمزيد من التأزم، أم الرغبة فى الحوار، مع مخاوف فى المنطقة من حالة الفوضى فى إيران وهو أحد السيناريوهات المطروحة.
الخليج: الذى يعانى من صدمة حقيقية لها أبعاد مختلفة، حيث يدفع ومازل، أثمانًا باهظة من تبعات الحرب، من هجمات إيرانية استهدفت منشآت حيوية، مطارات وموانئ ومصافى نفط، ومحطات كهرباء ومياه ومناطق سكنية، مع شعور بخيبة أمل تجاه أمريكا، بعد أن ثبت أن وعودها بفرض حماية لها جوفاء، أو على الأقل لا يمكن الاعتماد عليها، فلم نسمع عن اعتراض القوات الأمريكية، أيًا من الهجمات التى تعرضت لها، كما أن قرارات بخطورة الدخول فى حرب مع إيران، تم اتخاذه دون تشاور أو تنسيق مع العواصم الخليجية، ولم يعد خافيًا على أحد أن ترامب خاض الحرب إلى حد كبير من أجل نتنياهو، متجاهلًا دول الخليج، مما دفعها للبحث فى آليات مختلفة لحماية أمنها، بالاستثمار فى قدراتها الدفاعية الذاتية، وتنويع مصادر أسلحتها، نموذج السعودية والصين فى مجالى الصواريخ والطائرات المسيرة، والإعلان عن شراكة مع باكستان، الإمارات اشترت مقاتلات فرنسية، ودخلت فى شراكة مع كوريا الجنوبية، وهناك دراسة للاستفادة من النظام التركى، ظهر فى أغسطس من العام الماضى، تحت اسم (القبة الفولاذية) والذى يقارن (بالقبة الحديدية)، دون أن نتجاهل حقيقة مهمة، تجعل استمرار الوجود الأمريكى فى الخليج صعبة فى المستقبل، مع رفض الرأى العام الخليجى لذلك، ومع النتائج المتوقعة فى انتخابات التجديد النصفى التى يمكن أن تكبح من توجهات إدارة ترامب.
إسرائيل: والتى تعانى من لحظة (انكشاف استراتيجى)، رغم النجاحات التكتيكية التى حققتها، وستجد صعوبات فى تجاوز المرحلة الأخيرة، فيما بعد طوفان الأقصى، حيث تم استباحتها من إيران ومن جماعات مسلحة، خاصة حزب الله، كما تعانى تبعات خسائر استراتيجية، حيث تحولت وفقًا لرؤية تتزايد يومًا بعد يوم، كقوة خطرة يصعب التنبؤ بسياستها، وتزايدت القناعة بأن إسرائيل دولة عدوانية، بعد هجومها على قطر، واستهداف قيادات حماس هناك، وسط توقعات بانهيار مسار التطبيع، وزيادة التحفظ على الاتفاقات الإبراهيمية، والممر الاقتصادى الذى يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا عن طريق إسرائيل، رغم اليقين بأن واشنطن لن تتخلى عن شراكاتها الاستراتيجية مع إسرائيل، فى ظل وجود أجندة مشتركة، والقتال جنبًا إلى جنب، وهو ما لم تفعله، أى دولة منذ الحرب العالمية الثانية، وتحولت إلى شريك بعيدًا عن فكرة المتلقى للحماية الأمريكية، وهناك توقعات لوجود تكامل عملياتى، وتعاون أمنى فى العديد من مجالات التصنيع العسكرى، مما يعلى من قيمتها الاستراتيجية مستقبلًا.
ودعونا نعترف بحقيقة مهمة، أن الأزمة كشفت محدودية قدرات النظام العربى الرسمى متمثلًا فى الجامعة العربية، وكذلك مجلس التعاون الخليجى، ونفس الشيء ينطبق على المنظومة الإسلامية، فى التعامل مع تهديدات بمثل هذا الحجم، وسط هذا التأزم الذى تعانى منه المنطقة نجد بارقة أمل، ضوءًا فى نهاية النفق، حيث ظهرت جينات ميلاد تحالف قد يكون عاملًا حاسمًا فى رسم خريطة المنطقة، وقاطرة للتغيير، وذلك بالاتفاق العربى الإسلامى فى ١٨ مارس، على تشكيل إطار رباعى يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وهى دول وازنة فى المحيطين العربى والإسلامى، صحيح أن هدفه المباشر الدفع باتجاه حل الأزمة المتفاقمة، وفتح قنوات اتصال مباشر وغير مباشرة بين الأطراف المتصارعة، ولكنه تجاوز دور (الوسيط التقليدى)، بل يسعى إلى إعادة ضبط مسار الصراع، وتوابعه على الإقليم، فهو وسيط استثنائى، يمثل قوة دبلوماسية واستراتيجية قادرة على فرض التوازن، ومرشح لتطوير نفسه لصالح أدوار قادمة، كمنصة قابلة للتحرك فى ملفات أخرى، خاصة وأنه يملك ثقلًا جيوسياسيًا، مثلًا النموذج الباكستانى وقد عززت الأزمة الأخيرة من دورها، فهى دولة نووية تتمتع بمواقف حيادية، وبعلاقات جيدة مع إيران، مع حدود طويلة، بينهما وتعاون تاريخى مع أمريكا، وعلاقات متميزة مع الصين، وهناك اتفاق دفاع مشترك مع السعودية منذ العام الماضى، ونفس الحال ينطبق على مصر والسعودية وتركيا.
هل أعيش لحظة تفاؤل، ولم لا ؟

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







