أوراق شخصية

الرحيل الصامت

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


رحلت الكاتبة الكبيرة د. هالة مصطفى فى صمتٍ موجع، كأنها آثرت أن تغادر العالم بنفس الهدوء الذى عُرفت به، تاركةً فراغًا ثقيلًا فى القلوب قبل السطور، ووجعًا صادقًا فى أفئدة من عرفوها واقتربوا من ظل قلمها. لم يكن رحيلها مجرد غياب لشخص، بل انطفاء لصوتٍ عاقل ظلّ سنوات يوازن بين التحليل الرصين والاستقلالية الفكرية، فى زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات وقلّت فيه البصيرة.

أحزننى كثيرًا هذا الرحيل المفاجئ؛ فلم تكن د. هالة بالنسبة لى مجرد زميلة واسمًا لامعًا فى دوائر الفكر، بل كانت صديقة عزيزة. ولم يكن غيابها خسارة لقامة صحفية وأكاديمية رفيعة فحسب، بل فقدًا إنسانيًا عميقًا. فقد جمعتنى بها وبشقيقتها الغالية د. هويدا مصطفى، عميدة كلية الإعلام الأسبق، علاقة إنسانية دافئة، تجاوزت حدود الزمالة إلى مساحات أعمق من المودة والتقدير. فى صحبتها، كنت أجد إنسانة بسيطة بلا تكلف، راقية فى مشاعرها، صادقة فى حضورها، قريبة من القلوب دون جهد. حضورها هادئ لكنه ممتلئ، وحديثها بسيط لكنه عميق، وابتسامتها تحمل طمأنينة، تمنح من حولها شعورًا حقيقيًا بالاحتواء والاحترام دون ادعاء أو ضجيج.

امتلكت الدكتورة هالة رؤية نقدية، ورأيًا متزنًا حتى فى أكثر القضايا تعقيدًا، واستطاعت أن تفرض احترامها فى كل موقع شغلته، وأن تظل صوتًا مهنيًا مستقلاً يحترم القارئ ويثق فى وعيه. وهو ما منحها مصداقية خاصة، رغم تعدد مواقعها، ومنها عضويتها فى لجنة السياسات بالحزب الوطنى سابقًا. وعلى صفحات «الأهرام»، كانت كتاباتها مرآة لعقلٍ متزن ورؤية نقدية عميقة، لا تنجرف وراء التيارات، وحتى فى أكثر المواقع حساسية، احتفظت باحترامها لوعى القارئ.

لم يكن الرحيل وحده هو ما أوجع القلب، بل وقعه المباغت الذى جاء كالصاعقة. فلم أكن أعلم أنها كانت تعانى مرضًا، ولم تبح يومًا بما يؤلمها. جاء الخبر قاسيًا، مفاجئًا، لا يمهّد له وداع ولا ينذر به غياب، وكأن جزءًا من الذاكرة انسحب فجأة، تاركًا خلفه دهشة موجعة وأسئلة بلا إجابة: كيف ترحل هكذا دون أن تمنحنا فرصة أخيرة للوداع؟ وكيف يمضى من كانوا يبدون لنا دومًا أقوى من الغياب؟ إنها تلك الصدمات التى لا تُختصر فى كلمات، وتعلّمنا قسوة الفقد حين يأتى بلا إنذار.

رحم الله صديقتى العزيزة د. هالة مصطفى، وألهم شقيقتها العزيزة وأسرتها الكريمة الصبر والسلوان. سيبقى غيابها وجعًا لا يُنسى، وسيرتها النبيلة وعلمها الغزير أثرًا طيبًا لا ينقطع.