تأكيد هذه المعلومات جاء من عمرو عبدالهادى، أحد الهاربين المحسوبين على الإخوان بالخارج. كشف فى فيديو مصور مفاجأة من العيار الثقيل: وهى أن منصات الإخوان وأذرعها بالخارج كانت تتلقى فى السابق تمويلًا إيرانيًا هدفه إسقاط الدولة المصرية.
فى الميثولوجيا اليونانية، لم تكن الأساطير مجرد خيال جامح يرسم صورًا مليئة بالسرديات المشوقة بشكل سيريالى، بل كانت شفرات لفهم طبيعة الأخطار حين تتجاوز شكلها الظاهر، ومن بين تلك الشفرات، برزت أسطورة «الهيدرا»؛ الأفعى متعددة الرؤوس التى لم يكمن سرّها فى عدد رؤوسها، بل فى قدرتها على إعادة إنتاج نفسها كلما ظَنَّ خصومها أنهم اقتربوا من القضاء عليها، كانت تقطن المستنقعات برؤوسٍ عديدة، يتوّجها رأسٌ خالد لا يموت، والأخطر أن كل رأسٍ يُقطع ينبت مكانه رأسان!

لم تكن «الهيدرا» مجرد كائنٍ أسطورى، بل تجسيد لفكرة أكثر عمقًا: أن بعض الكيانات لا تُهزم بالضربات المباشرة، لأنها تعيد تشكيل نفسها من داخل لحظة الاستهداف، وتزداد شراسة كلما اشتد الضغط عليها.
من الأسطورة إلى غرفة الاعترافات، تجسّدت أمامى صورة الأفعى ذات الرؤوس المتعددة، وأنا أتابع اعترافات الإخوانى الإرهابى على محمود محمد عبدالونيس، أحد قيادات حركة «حسم» - الذراع المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية. كشف الرجل معلوماتٍ فى غاية الخطورة: الحركة تتبنى مسارًا موازيًا للعمل الإرهابى العنيف، وهو استهداف التأثير على الرأى العام وإثارة الجدل حول مؤسسات الدولة، عبر توظيف أدوات إعلامية وشبكات من الصحفيين والمراسلين، هنا يكمن السم فى العسل: إعلام يبدو بريئًا يدّعى المهنية والبحث عن الحقيقة، لكن أنيابه مصبوبة بسم التخريب.
معنى ذلك أننا أمام عمل إرهابى جديد ونوعى ومختلف يستخدم أدوات الإعلام والتأثير، وأننا سنكون فى مواجهة حرب من نوع مختلف مع التنظيم الإرهابى، تستدعى قراءة جديدة لبنيته؛ حيث ستختفى القيادات الكبيرة ويصبح التنظيم بأكثر من رأس خفى يستخدم الحروب النفسية، ويوظّف حالة الضجر من الأزمات المعيشية المرتبطة بالمتغيرات المتكررة فى الشرق الأوسط والمؤثرة على الاقتصاد المصرى.
نحن أمام «خريطة رؤوس خفية» لا تعمل بمنطق المواجهة التقليدية، بل بمنطق الانتشار وإعادة التشكل؛ حيث لا يعنى سقوط رأسٍ نهاية التنظيم، بل بداية ظهور رؤوس جديدة، أكثر قدرة على التخفى وأكثر استعدادًا للعمل فى الظل.
كشف الإرهابى عبدالونيس عن تورطه فى أنشطة ما عُرف بـ «لجنة الإعلام والتسريبات»، بناءً على عرض من القيادى الإخوانى عبدالفتاح عطية، التى تولى إدارتها كلٌ من: صهيب عبدالمقصود، عبدالرحمن الشناف، عبدالمجيد مشالى وهى قيادات جديدة فى التنظيم أغلبهم أولاد قيادات سابقة.
هدفت هذه اللجنة إلى: جمع معلومات وبيانات عن العاملين فى مؤسسات الدولة، إنشاء منصات إعلامية تبدو فى ظاهرها داعمة للدولة، لكنها تُستخدم فعليًا لاختراق دوائر المعلومات وبث محتوى يهدف إلى زعزعة الثقة بين المواطن، ومؤسسات الدولة مع التركيز على قضايا المحبوسين لتحفيز الغضب المجتمعى والضغط على الدولة، وبالتوازى، صدرت تعليمات للمتهم بتجنيد عناصر جديدة داخل البلاد. وتواصل مع محمود شحاتة «للاستقطاب والفرز»، ومصطفى فتحى «لتوسيع دوائر التجنيد بحكم وضعه الاجتماعى».
عناصر من خارج الجماعة
وكانت الحاجة ملحة لعناصر شابة جديدة من خارج الجماعة يتم توظيفها فى عمليات الذئاب المنفردة لخدمة الإخوان استدعت وجود مشروع إعلامى، ظاهره العمل الصحفى والإعلامى ولكن جوهره الرغبة فى تجنيد المزيد من الشباب لتنفيذ عمليات إرهابية، يمكن التنصل منهم بعد ذلك تحت زعم أنهم من خارج الجماعة وادعاء المظلومية على أجهزة الأمن.
ولتنفيذ ذلك اتجهت حركة حسم الإرهابية الذراع العسكرى للتنظيم الإخوانى إلى تأسيس كيان يحمل اسم «مؤسسة ميدان» - وُصف بأنه الذراع السياسى لحركة «حسم»، يقوده عدد من العناصر البارزة: يحيى موسى، رضا فهمى، محمد مناع (المعروف بمحمد منتصر)، محمد إلهامى، أحمد مولانا.
وكانت أهدافه بحسب اعتراف عبدالونيس، توسيع الحاضنة الشعبية للتنظيم واستقطاب عناصر جديدة، خاصة من خارج التيارات الإسلامية وإنتاج محتوى رقمى وبرامج حوارية (بودكاست) للوصول إلى شرائح أوسع.
يقول عبدالونيس فى اعترافاته نصًا إن من أبرز الأحداث، التى حصلت بناءً على تحركات مؤسسة ميدان، أن تواصل معى مصطفى عبدالرازق، العامل فى إحدى المؤسسات الإعلامية الشهيرة بالخارج، وعرض عليَّ فكرة توحيد الجهود والتحركات الجماعية لكل المعارضة ذات الطابع الإسلامى فى الخارج، بهدف تنفيذ عمليات وفعاليات سواء عسكرية أو ثورية داخل مصر، وأعطانى بالفعل تمويلًا ماديًا بهدف استقطاب وتجنيد عددٍ من الشباب والأفراد داخل مصر للمشاركة فى الاستراتيجية الجديدة وتنفيذ عمليات داخل البلاد.
ووسط دموعه، اعترف عبدالونيس بـ «شفرة التجنيد» عبر الأدوات الإعلامية عبر إيهام الشباب أن الحرب ضد الدولة من أجل الدين، بينما الحقيقة أنها حرب على سلطة «ما تستاهلش ظفر واحد، مش دم».
تأكيد هذه المعلومات جاء من عمرو عبدالهادى، أحد الهاربين المحسوبين على الإخوان بالخارج. كشف فى فيديو مصور مفاجأة من العيار الثقيل: وهى أن منصات الإخوان وأذرعها بالخارج كانت تتلقى فى السابق تمويلًا إيرانيًا هدفه إسقاط الدولة المصرية.
قال عبدالهادى نصًا: «تمويل ميدان وكيان كان قادمًا من شخص إيرانى اسمه حميد عظيمى، يشغل منصب مدير مركز مرصد للدراسات الاستراتيجية، وهذا التمويل قادم من الحرس الثورى، حتى إن قناة الشرق التى يديرها أيمن نور تُموَّل أيضًا من نفس المصدر، إضافة إلى تمويلات من جهات أخرى يتعاملون بمنطق أن «البحر يحب الزيادة»، ولا توجد مشكلة فى الحصول على تمويل من جهتين حتى لو كانتا متعارضتين، مع إحاطة الأمر بالسرية» .
وأضاف: كيان ميدان اشتغل فيه 40 فردًا بخلاف الأسماء الظاهرة، وأن هذا التمويل حَوَّل يحيى موسى وزوجته هند الشافعى إلى مليونيرات. راتب معتز مطر تخطى 10 آلاف دولار (نصف مليون جنيه مصرى). شفرة البث الفضائى 30 ألف دولار، ورسوم إدارية 40 ألف دولار، وحساب سفريات يتجاوز شهريًا 10 آلاف دولار.
أكد عبدالهادى ما جاء فى سياق أحداث مسلسل «رأس الأفعى» حول علاقة القيادى الإخوانى محمد منتصر (أحد قيادات حسم) بتعاونه مع الجهات الأمنية لتسليم محمود عزت - مهندس العمليات الإرهابية داخل التنظيم.
وفضح بالأسماء قيادات إخوانية تعيش حياة رغدة بالخارج: أحمد البقرى، محمد جمال هلال - يمتلكون سيارات فارهة من أموال التمويل. متوسط مصاريفهم الشهرية لا يقل عن 70-80 ألف دولار، بينما يدَّعون «شظف العيش».
وأثار عبدالهادى مسألة خطيرة: المنهج الإخوانى فى الهجوم على مَن ينتقد الجماعة عبر توجيه زوجات القيادات لمهاجمة المنتقدين، حتى يصبح سيف الحياء مُسلَّطًا على الطرف الآخر فى الرد، وهو ما يؤكد أن التنظيم يستخدم سيدات الجماعة فى معارك التجريح والتشويه وادعاء المظلومية لمَن يُقبض عليه.
الأمر الأكثر خطورة: حصول كثير من قيادات الإخوان على جنسيات أخرى وتغيير أسمائهم إلى أسماء تركية!
من أبرزهم: أبو بكر خلاف، الذى تَحوَّل إلى «أبوبكر إبراهيم أوغلو» - رئيس ما يُسمى بـ «شبكة محررى الشرق الأوسط، هذه الشبكة إحدى المؤسسات الإعلامية التابعة للتنظيم الدولى للإخوان، المُشهَّرة فى لندن، وتملك أكثر من 30 فرعًا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ووفق المعلومات المتداولة، تأسست المنظمة فى بريطانيا كشركة غير ربحية (رقم 11579456 - 20 سبتمبر 2018)، ثم: فرع فى النمسا (رقم 1643702166 - 17 سبتمبر 2019) وفرع فى تركيا تابع لاتحاد الجمعيات الأهلية (رقم 34-263/068 - 11 سبتمبر 2020) وفرع فى تونس (نوفمبر 2020) بالإضافة إلى مقرات رسمية فى لندن.
يتولى الرئاسة الإخوانى الأردنى عاطف دلقمونى (المستشار السياسى لقنوات الجزيرة)، والمدير التنفيذى: أبو بكر خلاف (إبراهيم أوغلو) الذى يرتبط بعلاقات وثيقة مع باحثين إسرائيليين. هذه التركيبة ليست مجرد منصة تدريبية محايدة، بل إطار وظيفى مرتبط بتوجهات التنظيم الدولى.
دعت المنظمة الإخوانية المشبوهة إلى التطبيع مع دولة الاحتلال تحت شعار «صحافة وإعلام السلام بين الشعوب»، للترويج للتعايش مع إسرائيل داخل المنطقة العربية، كما ركزت على استقطاب القطاعات الشبابية عبر مظلة «أكبر تجمع مهنى للصحفيين والإعلاميين بالشرق الأوسط وإفريقيا»، وهو ما يقودنا إلى مشهد التظاهر ضد مصر من قلب تل أبيب العام الماضى، وهو ما يؤكد أن هناك ترتيبًا يُجرى فى الخفاء بين إسرائيل والإخوان، كلمة السر فيه تنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى!
تخريب عقول الشباب
لم تتوقف المنظمة عن تخريب العقول الشبابية، إذ عقدت اتفاقيات مع مؤسسات أمريكية ممولة لمشاريع مناهضة للأنظمة الحاكمة، تتفق مع أدبيات الثورات الشعبية والعصيان المدنى، وفى مقدمة المؤسسات الممولة: الصندوق الوطنى للديمقراطية (NED)، الذى يتبعه مجموعة من المنظمات الأمريكية، التى تعمل على تغيير وإسقاط الأنظمة العربية الحاكمة، ولعبت دورًا تخريبيًا خلال مرحلة أحداث «الثورات العربية» عام 2011، مثل: المعهد الأمريكى للمشاريع، ومعهد بحوث المثلث، والمعهد الوطنى الديمقراطى للشئون الدولية، والمعهد الجمهورى الدولى، والمركز الأمريكى للتضامن الدولى فى العمل، وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، ومؤسسة وستمنستر للديمقراطية، وقطعًا كلمة السر فى الحصول على هذه القدر من التمويل من جهات أمريكية وأوروبية لكيان إخوانى هو خدمته لإسرائيل.
تحرك الإخوان فى الميدان الإعلامى ومن خلال مؤسسات تبحث عن مراسلين وتوظّفهم، أمر يؤكد أن الإعلام هو أخطر ميادين الصراع غير المُعلن، حيث تُدار المعارك دون دبابات، وتُحسم النتائج دون إطلاق رصاصة واحدة، وأن كثيرًا مما يُبث عبر الشاشات والمنصات الرقمية لم يعد بريئًا أو عفويًا فى كثير من الأحيان، بل يدخل ضمن منظومات تأثير معقدة، تقف خلفها - بشكل مباشر أو غير مباشر - أجهزة استخبارات ودوائر نفوذ تعمل على إعادة تشكيل الوعى، لا مجرد التأثير فيه.
وفى هذا السياق، لم تعد الشائعة خبرًا كاذبًا عابرًا، بل أصبحت أداة محسوبة ضمن ما يُعرف بعمليات «التأثير المعلوماتى»، حيث يتم تصميمها بعناية، وحساب توقيت إطلاقها بدقة، وتحديد الجمهور المستهدف بها وفق حسابات نفسية واجتماعية دقيقة، بما يجعلها قادرة على اختراق المجال الإدراكى للمجتمع، وإعادة ترتيب أولوياته، بل وخلق واقع بديل يبدو - فى لحظة ما - أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها.
نحن أمام تحول مهم فى مسار الصراع مع الإخوان مع استخدامهم لسلاح الإعلام الرقمى، والحرب النفسية، بهدف تقويض الثقة داخل الدولة المستهدفة، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر تفكيك العلاقة بين المواطن ومؤسساته، وإرباك إدراكه للواقع، ودفعه إلى الشك فى كل شىء، حتى فى الحقائق الأكثر رسوخًا.
منصات عبر شركات وسيطة
لا تستغرب أن كثيرًا من المنصات الإعلامية تحولت - فى بعض الحالات - إلى واجهات تشغيل، تُدار من خلفها شبكات تمويل معقدة، تمر عبر شركات وسيطة، أو منظمات تبدو مستقلة، بينما ترتبط فى العمق بأجندات سياسية واستخباراتية، ويتم عبر هذه المنصات إنتاج محتوى متدرج التأثير، يبدأ بالتشكيك، ويمر بإثارة الجدل، وينتهى بصناعة حالة من الاستقطاب الحاد، بحيث يصبح المجتمع نفسه ساحة للصراع، وفاعلًا فيه فى الوقت ذاته.
وفى هذا الإطار، تتكامل أدوات الحرب الهجينة؛ فالشائعة لا تعمل وحدها، بل تتحرك ضمن منظومة تشمل حملات رقمية منظمة، وجيوشًا إلكترونية، وتسريبات موجهة، وتوظيفًا انتقائيًا للوقائع، بما يؤدى فى النهاية إلى ما يمكن تسميته «تلويث المجال المعلوماتى»، أى إغراق الفضاء العام بكم هائل من السرديات المتناقضة، بحيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
ومن هنا، لا تعود القضية مجرد مواجهة محتوى مضلل، بل مواجهة بنية كاملة لإنتاجه وتمويله وتوجيهه. فالسؤال الحقيقى لم يعد: مَن قال؟ بل: مَن صاغ الرواية؟ مَن مَوَّلها؟ ولماذا تُقال الآن؟
لأن أخطر ما فى هذه الحروب، أنها لا تستهدف الأرض.. بل تستهدف العقل أولًا.
لم يعد ما بعد اعترافات على عبدالونيس كما كان قبلها، صحيح أننا أمام نجاح أمنى كبير وضربة موجعة قامت بها أجهزتنا الأمنية بتنسيق عالى المستوى للتنظيم، لكن ما تكشف لا يدعو إلى الاطمئنان بقدر ما يفرض قدرًا أعلى من اليقظة. فالمسألة لم تعد مجرد وقائع فردية تُروى، بل خريطة متكاملة لشبكة عابرة للحدود، تتحرك بمرونة بين عواصم متعددة، وتُعيد تموضعها داخل الفضاء الإعلامى الرقمى، حيث يصعب الرصد وتتعقد المواجهة.
إن الخطر لم يعد فيما ظهر.. بل فيما أعاد تشكيل نفسه فى الظل.
وفى هذا المشهد، لا تبدو الصورة إلا امتدادًا حيًا لأسطورة قديمة: أفاعٍ لا تموت بقطع رؤوسها، بل تتكاثر تحت الضرب، وتستمد من المواجهة قدرة جديدة على البقاء.
ومن هنا، فإن التحدى الحقيقى لم يعد فى إسقاط رأس، بل فى تفكيك البنية التى تُنتج الرؤوس.

المنهج الإخوانى فى الهجوم على مَن ينتقد الجماعة عبر توجيه زوجات القيادات لمهاجمة المنتقدين، حتى يصبح سيف الحياء مُسلَّطًا على الطرف الآخر فى الرد، وهو ما يؤكد أن التنظيم يستخدم سيدات الجماعة فى معارك التجريح والتشويه.
الشائعة لا تعمل وحدها، بل تتحرك ضمن منظومة تشمل حملات رقمية منظمة، وجيوشًا إلكترونية، وتسريبات موجهة، وتوظيفًا انتقائيًا للوقائع، بما يؤدى فى النهاية إلى ما يمكن تسميته «تلويث المجال المعلوماتى».

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







