أشرف العشماوى عن أحدث رواياته: سيمفونيتى الأخيرة تبحث عن الفرص الضائعة

العشماوى يشرح فكرة روايته لمحرر الأخبار
العشماوى يشرح فكرة روايته لمحرر الأخبار


فى هذا الحوار مع الروائى الكبير أشرف العشماوى، نغوص فى أعماق روايته الجديدة «السيمفونية الأخيرة»، حيث تتقاطع الأسئلة الأخلاقية مع البحث عن الجمال، وفشل الإنسان فى مواجهة ذاته، يأخذنا «العشماوى» فى رحلة إلى المنطقة الرمادية للبطل، بين النور والعتمة، بين التعاطف والإدانة، ليكشف كيف أن الفن لا يمنح الغفران، وأن مسئولية الاختيار تقع دائمًا على الفرد، الحوار ليس مجرد استكشاف لرواية، بل نافذة على عالم نفسى وأخلاقى معقد، يمتزج فيه التاريخ بالذاكرة، والموسيقى بالوجود، لتصبح السيمفونية الأخيرة انعكاسًا لصراعاتنا الداخلية وتجربة الإنسان فى مواجهة نفسه والآخرين



اقرأ أيضًا | أشرف العشماوى فى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للآداب


هل ترى أن القارئ مدعو إلى التعاطف مع البطل رغم ذنبه، أم إلى مواجهة إغراء هذا التعاطف نفسه بوصفه جزءًا من المشكلة؟

 أنا لا أفرض أى شىء على القارئ، لكنى أتفهم المشاعر المتباينة تجاه البطل بسبب أننى أثناء كتابة العمل وضعت بطل الرواية فى المنطقة الرمادية المحيرة، أنا لا أقدم شخصياتى كأيقونات إنسانية كاملة مشرِقة، ولا كأشرار يستحقون الرفض المطلق؛ أفضل دومًا أن يكونوا نماذج بشرية معقدة تحمل فى داخلها النور والعتمة معًا، بطل «السيمفونية الأخيرة» ليس مجرد مذنب، لكنه إنسان مسيَّرٌ بتاريخٍ من الخوف والعزوف عن المواجهة الصادقة، صُمِّم تكوينه النفسى منذ نشأته على الانصياع والتراجع، ولم أكن راغبًا فى أن يقف القارئ إلى جانبه كضحية، ولا أن يذهب إلى إدانته بلا رحمة، لكن كل ما يهمنى أن يرى القارئ -بوضوح- فى بطل الرواية انعكاسًا لذاته وتناقضاته، وليقاوم إغراء التعاطف غير النقدى الذى يجعلنا نغفر لأنفسنا أسرع مما نغفر للآخرين.

إلى أى مدى ترى أن البطل اختار العمى الأخلاقى، لا بوصفه جُبنًا فرديًا فقط، بل كآلية بقاء داخل إطار لا يسمح بالحياد؟

- لا أظن أننى اخترت لبطل روايتى العمى الأخلاقى كخيار واعٍ بالكامل، على الأقل حتى ثلث الرواية الأخير؛ أنا رسمت الشخصية لفتى مدلل ترسّخ فى داخله عبر سنوات من التربية المغلقة، والظروف الاجتماعية التى زرعت الخوف والمسايرة بدلًا من المسئولية والتحدّى، لكن فى الوقت ذاته كان النظام الذى عاش فيه ـ وأنا أقصد نظام السلطة والمراسم فى التسعينات ـ هذا النظام كان لا يعطِى مساحة لحيادٍ حقيقى، وبالتالى حين يختار المرء البقاء داخل هذا النظام يتعلم سريعًا أن وجوده يتطلب طاعة وصمتًا، وأن حتى الحياد يعتبر ترفًا لا يحتمله النظام، هنا يصبح العمى الأخلاقى الذى اختاره سامى عرفان، بطل الرواية، نتاج بيئةٍ تبتلع الحياد وتجبرك طوال الوقت على تقديم تنازلات تقودك تدريجيًا إلى قانون البقاء بذاتك غير السوية.

فكرة أن الفن لا يمنح الغفران تبدو مركزية فى الرواية، هل هذا موقف أخلاقى حاسم منك ككاتب، أم نتيجة منطقية لمسار الشخصية فقط؟

- الفن فى هذه الرواية - الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية- ليس وعدًا بالغفران، ولا هو ملجأ سحريًا يطهر النفس بلا ثمن. ربما محاولات متكررة من البطل لتطهير نفسه بالعزف ـ «هتلر» كان فنانًا يرسم ويعزف، و»موسولينى» رسم لوحات ـ والأمثلة فى التاريخ موجودة، الفن فى الرواية مقصود به المكان الذى يستحضر فيه الإنسان صراعه، ووجهه الذى لا يراه فى المرآة، ونداؤه الداخلى للحرية والاختيار فى مواجهة الصمت الاجتماعى والسياسى، فكرة أن الفن لا يمنح الغفران فى الرواية هى نتيجة منطقية لمسار البطل، الرجل الذى حاول أن يجد فى الموسيقى ملاذًا، فرأى الموسيقى تتحوّل إلى مرآة لجراحه ومرثية لأحلامه دون أن تمنحه غفرانًا حقيقيًا، فى واقعنا، الفن يطرح الأسئلة لكنه لا يقدّم إجابات جاهزة، ولا يحرّرنا من الذنب إلا بعد مواجهةٍ صادقة للنفس.

البناء القائم على استدعاء الذاكرة والعودة المستمرة للماضى يمنح الرواية إيقاعًا متقطعًا يشبه المقطوعات الموسيقية، هل تعمّدت أن يكون شكل السرد نفسه انعكاسًا لفكرة «السيمفونية»؟

- نعم، عمدت إلى أن يكون السرد موسيقيًا فى إيقاعه، ربما الموسيقى ليست موضوع الرواية، لكنها فى الوقت ذاته العمود الفقرى للرواية والمحفز الذى ينسج التجربة ويمنحها إيقاعًا، حاولت أن أستحضر فى البناء السردى ذلك النوع من التقطّع الذى نجده فى «السيمفونيات»؛ الذكريات تأخذك -فجأة- إلى الماضى، ثم تعود بك إلى الحاضر، كأنما تتداخل الحركات الموسيقية صعودًا وهبوطًا، فى تناوبٍ يعكس حالة نفس البطل، فكان هذا هو السبب فى أننى استعملت طريقة التراوح الزمنى فى سرد الأحداث بدلًا من زمن خطى متصاعد أو فلاش باك، السرد بهذه الطريقة، فى ظنى، يجعل القارئ يشعر بنغمة الحياة المتذبذبة للبطل.

هل تعتبر «السيمفونية الأخيرة» رواية عن فشل الفن فى إنقاذ الإنسان، أم عن فشل الإنسان فى تحمّل مسئولية ما فعله حتى وهو يصنع الجمال؟

- أراها رواية نفسية بحتة، هى محاولة للبحث عن نور فى داخل الظلام، عن حرية الاختيار فى حياتنا وصعوبتها، عن الفرص الضائعة منا، بطل الرواية موجود بين حلمٍ جميل وغدر الواقع، لكنه يختار الأسوأ بسبب تربيته وثقافته.

هنا، الفن لن يحرّره تلقائيًا مهما فعل، لكن سيكشف له بوضوحٍ عن المكان الذى تخاذل فيه عن دعوة ضميره، ويعيد إليه المشهد الذى لم يجرؤ فيه على قول لا، فى ظنى أن رواية «السيمفونية الأخيرة» تروى فشلنا جميعًا فى تحمّل مسئوليتنا فى الحفاظ على الجمال فى حياتنا -أيا كان-، لكنها ستظل تصنف كرواية نفسية على خلفية من مسرح سياسى معاصر.