طالبت بالموت الرحيم..

صراع الحب والقانون..حكاية نويلا التي ماتت 3 مرات

نويلا "الضحية"
نويلا "الضحية"


الموت هو الحقيقة الوحيدة المكتوبة على كل البشر، هو القدر والمكتوب الذي لا مفر منه، لكن ماذا إن سبق القدر قرار انتحار مختوما بختم الدولة!؟


"أنا لا أنتحر لأنني حزينة، أنا أطلب الموت لأنني متعبة، التعب النفسي والجسدي حين يجتمعان يصبح البقاء على قيد الحياة عقوبة لا أستحقها"، كانت هذه الكلمات ضمن آخر حديث لنويلا وجهته للعالم وللمجتمع.
على عكس الحالة النفسية التي تنتاب من يقررون الانتحار وتسيطر عليهم، تكشف هذه الكلمات أن نويلا كانت واعية لدرجة كبيرة، فلم تكن تتحدث بلسان مريضة نفسية مغيبة، بل بلسان شخص وصل لقناعة بأن الموت هو الحل الوحيد.

موعد مع الموت
في غرفة هادئة بمركز طبي في مدينة برشلونة، كانت نويلا صاحبة الـ25 عاما، تضع اللمسات الأخيرة لمكياجها، وترتدي فستانها المفضل، لكنها لم تكن تستعد للقاء صديقاتها، ولا حتى لموعد غرامي، بل كانت على موعد مع "الموت"، بعدما قررت أن جسدها أصبح زنزانة من الألم، وأصبحت هي سجينته لا يفك أسرها سوى حقنة أخيرة وافق عليها القضاء الإسباني بعد صراع مرير طالبت فيه بحقها في "الموت الرحيم".
كانت الجلسة الأخيرة لها أمام المرآة، حيث كانت تنظر لها كأنها تشاهد فيلما، لكن في الحقيقة هي تسترجع المأساة التي سرقت حياتها..

 

بداية الحكاية
تبدأ قصة نويلا كاستيلو راموس، حينما كانت في الثالثة عشر من عمرها، حيث عانت من التفكك الأسري، وانتهت بالحياة وحدها، بعدما اقتادتها الشرطة إلى مدرسة داخلية، ثم تعرضت لاعتداء وحشي جماعي من ثلاثة شباب عام 2020 وهي اللحظة التي انطفأت فيها روح نويلا للأبد.
وعن الاعتداء حكت نويلا قائلة "لقد قتلوني منذ سنوات في تلك الليلة، وما يحدث الآن هو مجرد إجراء قانوني لتأكيد موتي الذي حدث بالفعل، المجتمع خذلني حين كنت أحتاج للحماية، فلا يحق له الآن أن يمنعني من السلام".

 

محاولة الانتحار
لم تتمكن نويلا من الرجوع للحياة الطبيعية، والتعايش مع ذكرى حادث الاغتصاب التي تطاردها في كل وقت، وبعد أسابيع قليلة من الحادث قررت الانتحار برمي نفسها من الطابق الخامس، لكن للقدر دائما رأي آخر.

السقوط في بئر الجحيم
على عكس ما خططت له نويلا، لم يكن سقوطها من الطابق الخامس نهاية لمأساتها النفسية، بل كان سقوطا في بئر الجحيم، حيث كتب عليها معاناة جسدية تشارك حالتها النفسية في كتابة آخر فصول حياتها.
فتحت نويلا عينيها لتجد نفسها حبيسة جسد لا يتحرك، وسمعت الأطباء يتفقون على تشخيص حالتها بشلل نصفي وتدمير أعصاب الحبل الشوكي، كان ذلك بداية رحلة الألم العصبي الذي وصفته فيما بعد بالحريق المستمر"
علمت نويلا أن الطب الذي أنقذ حياتها هو نفسه الذي حكم عليها بأن تعيش بقية حياتها "ميتة" لكن داخل جسدها، واكتشفت أنها فقدت كل شيء كرامتها وصحتها ونفسيتها.

رفض العلاج
"رفضت نويلا كل محاولات التخدير، سواء كانت حقن المورفين التي تسكن جسدها، أو جلسات العلاج النفسي، كانت ترى في العلاج مجرد تأجيل للمأساة لا حلاً لها، لأنه يجعلها نائمة، لكنها لا تزال تشعر بالحريق داخل جسدها، فرفضت تناوله، مثلما رفضت العلاج النفسي الذي كانت تراه مجرد غسيل للمخ لترضى بواقع اعتبرته إهانة لها، وكانت دائما تردد "أنتم تعالجون الأعراض، لكنكم لا تملكون علاجاً لذاكرتي ولا لأعصابي المحطمة".

طوق النجاة
في 2021، أقرت إسبانيا قانون "الموت الرحيم"، وقرأت نويلا عنه وهي في عز وجعها، ورأت فيه "طوق النجاة"، فجاءتها فكرة بديلة لمحاولة الانتحار التي فشلت وزادت من معانتها، وهي أن تطلب من الدولة أن تنهي حياتها بشكل آمن وقانوني وطبي، فطالبت بحقها في "الموت الرحيم"

ساحة المحكمة
قررت نويلا أن تحول محاولة انتحارها، إلى قضية رأي عام داخل أروقة المحاكم، حيث كانت تبحث عن الرحمة من الحياة الأليمة، ومن حريق الأعصاب الذي لم تجد له كل مختبرات العالم دواء.
وفي المحكمة وقفت نويلا تقول "لو كنت مجنونة لما وقفت هنا أطالب بحقي في الرحيل بكرامة.. المجنون يهرب، وأنا أواجهكم جميعاً لأخرج من زنزانة جسدي".

صراع الحب والقانون
جيرونيمو كاستيلو، والد نويلا، لم يكن أبدا أب قاسيا، كان يرى أن ابنته ضحية هشاشة نفسية، وليست مريضة محرومة من الشفاء.
لم يترك باباً إلا وطرقه، ليثبت أنها تعاني من اضطراب الشخصية الحدية، وهذا في رأيه يجعلها غير قادرة على اتخاذ قرار عقلاني والمطالبة بالموت الرحيم، كان يرى أن واجب الدولة هو علاجها قسرا وليس مساعدتها على الانتحار.

الأنانية الأبوية
"أنا ممتنة لحبه، لكن حبه يحبسني في عذاب لا يشعر به غيري، هو يريدني موجودة ليرتاح هو، وأنا أريد الرحيل لأرتاح أنا"، كان ذلك هو رد نويلا على موقف والدها، حيث رأت أن إصرار والديها على بقاءها حية هو نوع من الأنانية، وكانت تصر أن ألمها العصبي منفصل تماماً عن حالتها النفسية، وهو ما اقتنعت به المحكمة في النهاية.

القرار من حق الضحية
بعد 20 شهرًا من الاستئنافات في المحاكم، وبقاء الألم في جسد نويلا، قرر القضاء أن نويلا مدركة تماماً لقرارها، وأن إجبار إنسان على تحمل آلام جسدية غير قابلة للشفاء هو نوع من التعذيب، وبناء عليه رفضت كل طعون الأب.
كان الحكم بمثابة رصاصة في قلب الأب، أما نويلا فلم تره انتصارا بل رأته تأشيرة خروج من عذابها.

قطيعة الوداع
قررت نويلا الابتعاد عن والدها، والانعزال حتى لا تعكر هدوءها النفسي، وتبعد عن الشعور بالذنب تجاه والدها.
"لقد سرقوا ابنتي مني مرتين؛ مرة ليلة الاعتداء، ومرة حين أعطوها الحق في الموت وهي في عز شبابها"، هكذا عبر والدها عن مرارة حزنه، حينما كان يقف خارج المركز الطبي يوم التنفيذ.


"أنا أسامح.. ولكنني سأرحل"
وفي رسالة وجهتها نويلا بعد الحكم، قالت إنها لا تكره والدها، لكنها لا تستطيع العيش لأجله، وأضافت "الحب الذي يسجن المحبوب في آلامه ليس حباً، بل هو تملك.. أنا أسامح الجميع، لكنني سأغلق الباب ورائي وحدي".

وقف الأب المقهور على سلم المركز الطبي، مطرودا برغبة ابنته وبقوة القانون، يشاهد من بعيد نهاية ابنته التي حارب لأجلها، لقد انتصرت نويلا في معركتها القانونية، لكنها تركت خلفها أباً يحمل ذنب عدم تمكنه من حمايتها، ومرارة رحيلها بدون وداع.