فى مقابر الإمام الشافعى، تتشابك خيوط الحياة مع الموت، ويتجلى الصراع بين الرغبة فى البقاء والانجراف إلى النهاية، وسط هذه المقابر تعيش آلاف الأسر المصرية البسيطة، حيث يتخذون من أحواش المقابر سكنًا لهم، يستيقظون صباح كل يوم على صراخ وعويل أهالى المتوفين.. يجاورون الموتي.. وغالبًا لا يعرفون من ألوان الحياة سوى اللون الأسود!
كل هذه المشاهد لم تمر عابرة أمام الطفل إسلام سعيد ابن المنطقة، بل ظلت عالقة فى وجدانه محفورة فى ذاكرته، لتشكل خيالًا خصبًا واسع الأفق، شخصية تمزج الواقع المرير بعالم آخر مليء بالتحدى والرغبة فى التغيير، روحًا تجمع بين الزوال والفناء والرغبة فى الاستمرارية لتجسيد معانى الأمل والبقاء على قيد الحياة، كان إسلام يلعب الكرة مع أقرانه فتسقط داخل المقبرة وكأنها نهاية الحياة، فيذهب ويلتقطها ثم يعاود اللعب من جديد إيذانًا ببدء حياة جديدة.
اليوم.. وبعد مرور 39 عامًا هى عمر إسلام سعيد، أصبح واحدًا من أولئك الذين يصفق لهم المجتمع بعد نهاية عروضه الفنية التى تؤكد دومًا على فكرة الحياة والتمسك بغد أفضل ومستقبل مشرق.
يصف «سعيد»، أهل منطقة الإمام الشافعى، بأنهم أناس طيبون للغاية، ويمتازون بفلسفة خاصة فى الحياة استمدوها من طبيعة المكان؛ حيث يمتزج عالم الأحياء بعالم الأموات بشكل يومي. هذا الجوار خلق لديهم إيمانًا عميقًا بأن كل الأشياء زائلة، مما جعلهم يتسمون بالهدوء والسكينة والترفع عن الصراعات المادية أو «الطمع» الذى قد يسيطر على أماكن أخرى، فالمكان هناك يجمع بين الموت والحياة فى تناغم يفرض احترامًا خاصًا لطقوس الموت وهدوء المقابر.
تضرب عائلة إسلام سعيد بجذورها فى أعماق هذه المنطقة، حيث تخصصت العائلة تاريخيًا فى «هندسة الجبانات» وعمارة المقابر الملكية والضخمة، وهى مهنة توارثوها عن الأجداد الذين كانوا بنائين ومهندسين معماريين للمقابر التاريخية بمصر العتيقة، بما فى ذلك مقابر أسرة محمد علي، طه حسين، أحمد شوقي، وغيرهم من عمالقة التاريخ. ورغم أن العائلة تمتلك بيوتًا بالمنطقة، فإن حياة «إسلام» كانت مرتبطة بالشارع الذى لا يفصله عن المقابر سوى أمتار قليلة.
هذا الاحتكاك المباشر وَلَّد لديه نوعًا من الألفة مع المكان واحترامًا فطريًا لخصوصيته؛ فكان اللعب يتوقف فورًا عند حدوث حالة وفاة أو مراسم دفن، تقديرًا لجلال الموت واحترامًا لمشاعر أهل المتوفى.
ورغم أنه لم يعمل بيده فى مهنة الدفن، فإنه يعتبرها «مهنة أنبياء» ويتشرف بالانتماء لعائلة تمتهنها، فقد شهد بحكم نشأته، الكثير من مراسم الدفن ومرافقة الجثامين إلى مثواها الأخير. ولم يقتصر تأثير المقابر على حياته الاجتماعية فحسب، بل امتد ليكون رفيقه فى الدراسة؛ فكان يفضل المذاكرة والسير بين المقابر، مستلهمًا من هدوئها السكينة، وقارئًا لقصص وشواهد القبور التى تحكى تاريخًا طويلًا من الشخصيات العظيمة التى سكنت هذا المكان، وذكر أنه فى مرحلة الثانوية العامة، وقبل تقدمه لقسم التمثيل والإخراج بأكاديمية الفنون، كان يتدرب على مشاهده التمثيلية ليلًا بين المقابر، حيث كان الهدوء يساعده على الوصول إلى تفاصيل الشخصيات التى يصعب استحضارها فى ضجيج البيت أو الشوارع العامة.
وعن علاقته الحالية بالمكان، أكد إسلام أنه رغم انتقاله جغرافيًا بحكم العمل، فإن روحه لا تزال هناك، حيث يزور أهله يومًا بعد يوم. وقد سعى لنقل خبرته الفنية لأبناء المنطقة من خلال «ورش عمل» ومسرحيات أقيمت بالميادين العامة مثل ميدان الإمام الشافعى وعزبة خير الله، ويهدف من خلال هذه الأنشطة إلى استخدام الفن كأداة للعلاج النفسى وتغيير الصورة النمطية عن «أهل المقابر»، مؤكدًا أن هذه البيئة خرَّجت قامات علمية كبيرة، مستشهدًا بالراحل د.طارق كساب، رئيس قسم الحضارة الإسلامية بجامعة القاهرة، الذى كان من أبناء تلك المنطقة، وكذلك عائلة الجبرى التى قدمت أسماء لامعة مثل د.رفعت الجبرى صاحب مستشفيات الطوارئ للأطفال، ود.حمدى الجبرى الذى كان عميدًا للمعهد العالى للفنون المسرحية بالكويت لسنوات طويلة، بالإضافة إلى رجل الأعمال البارز محمد ماهر حمدى عبد العال.
ويوضح الفنان إسلام سعيد، أن منطقة «الإمام الشافعي» أو «المقابر»، لم تحظَ حتى الآن بعمل فنى ضخم يعكس طبيعة الحياة وتفاصيلها العميقة هناك بشكل كامل. ومع ذلك، فإن جميع أعماله الفنية السابقة، رغم صغر حجمها، كانت تحمل فى طياتها الهوية الخاصة بهذا المكان، حيث يبرز فيها دائمًا تيمات الموت والمقابر، ليس كفكرة مخيفة، بل كواقع يعيشه «أهل المقابر» الذين يرفضون نظرة الغرابة التى يرمقهم بها المجتمع.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







