أتصور أن جيلى مدين بالكثير لماما عفاف الهلاوي، صاحبة «سينما الأطفال»، فقد كنا محظوظين فى بدايات الثمانينيات بمتابعة تلك المقدمة الثرية التى لم تكن مجرد تمهيد لعرض كارتون، بل كانت درسًا إنسانيًا رفيعًا فى غرس القيم وبناء الوجدان، عبر خطاب بسيط فى لغته، عميق فى أثره، ومن هنا تتجلى دلالة ظهورها فى لقاء السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مع الأمهات المثاليات، وهى تحكى تجربتها فى دار رعاية كبار السن، لا بوصفها حالة فردية، بل كنموذج يعيد صياغة مفاهيم الرعاية والتكافل والكرامة الإنسانية خارج القوالب النمطية السائدة.
إن حضور الرئيس لهذه الفعالية، وحرصه المتكرر على توجيه التحية لأمهات مصر، رغم تعقيدات المشهد الإقليمى وتداعياته الاقتصادية، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد لفتة رمزية، بل هو تعبير عن وعى سياسى راسخ بأن معركة الدولة الحديثة لا تُدار فقط فى ساحات السياسة والاقتصاد، وإنما تُحسم أيضًا فى عمق البنية الاجتماعية التى تمثل المرأة مركز ثقلها الحقيقي. ومن ثم، لم يعد تمكين المرأة استجابة ظرفية لضغوط اجتماعية أو التزامات دولية، بل تحول إلى خيار استراتيجى ضمن رؤية أوسع لإعادة بناء الإنسان المصري.

بل يندرج ذلك ضمن رؤية سياسية شاملة تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقوم على اعتبار المرأة ركيزة أصيلة فى الدولة الحديثة. وقد تجلّت هذه الرؤية بوضوح فى حرص القيادة السياسية على تكريم المرأة المصرية فى المحطات الوطنية، وفى مقدمتها لقاء المرأة المصرية والأم المثالية بقصر الاتحادية، الذى تجاوز كونه احتفالًا رمزيًا ليحمل رسالة سياسية عميقة، مفادها أن المرأة تمثل صمام الأمان الحقيقى للمجتمع المصري، خاصة فى ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة.
وقد أعاد الخطاب الرئاسى إبراز البعد الحضارى للمرأة المصرية، بوصفها «أيقونة الحضارة» و«المدرسة الأولى» التى يتشكل فى كنفها الوعى الجمعى للأمة. وهى رؤية تتجاوز الاختزال التقليدى لدور المرأة فى الإطار الأسري، لتضعها فى صميم معادلة بناء الإنسان المصري، حيث تظل الأم هى الفاعل الحاسم فى ترسيخ القيم الأخلاقية والاجتماعية، بما يسهم فى تحصين الدولة من الداخل.
ترسيخ هوية المجتمع
وفى هذا السياق، تتعامل الدولة المصرية مع المرأة لا باعتبارها موضوعًا للحماية، بل بوصفها فاعلًا مركزيًا فى معادلة الاستقرار، تسهم فى صون المجتمع، وترسيخ هويته، وتعزيز تماسكه فى أوقات الأزمات ومن ثم، بات تمكين المرأة مكونًا بنيويًا فى مفهوم الأمن القومى الشامل، الذى لم يعد مقتصرًا على الأبعاد العسكرية، بل امتد ليشمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية.
وقد انعكست هذه الرؤية فى التوسع الملحوظ فى مشاركة المرأة داخل مؤسسات الدولة، والانتقال من التمثيل الشكلى إلى التأثير الحقيقى فى دوائر صنع القرار، بالتوازى مع سياسات اقتصادية استهدفت دمجها فى الدورة الإنتاجية، خاصة عبر برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة»، التى لم تقتصر على الدعم النقدي، بل أرست أسس تمكين اقتصادى تدريجى يعيد تعريف دور المرأة من متلقٍ إلى شريك فاعل.
كما اتسع نطاق الرعاية الاجتماعية ليشمل الفئات الأكثر احتياجًا، وفى مقدمتها المرأة المعيلة، بما يعكس انتقال الدولة إلى نموذج أكثر شمولًا فى إدارة العدالة الاجتماعية، تصبح فيه المرأة محورًا للتنفيذ، لا مجرد طرف متلقٍ للسياسات.
غير أن المعركة الأعمق تظل معركة الوعى والصورة؛ إذ إن تمكين المرأة لا يكتمل دون إعادة تشكيل صورتها فى الخطاب الإعلامى والدرامي، باعتبار أن هذه الصورة تمثل أحد أخطر محددات الإدراك المجتمعي. ومن هنا، يبرز دور الدراما الوطنية فى تقديم نموذج واقعى للمرأة المصرية، بوصفها عنصرًا منتجًا ومكافحًا وشريكًا فى تحمل أعباء الحياة، لا مجرد صورة نمطية مستهلكة.
وقد لفت الرئيس الانتباه إلى ضرورة ترسيخ احترام المرأة عبر المعالجة الإعلامية والدرامية، إذ إن الصورة الذهنية تُبنى عبر ما تبثه الشاشات والمنصات الرقمية. ومن ثم، فإن معركة تمكين المرأة هى فى جوهرها معركة خطاب وصورة، وهو ما انعكس فى تقديم دراما المتحدة هذا العام نموذجًا أكثر اقترابًا من الواقع، حيث ظهرت المرأة المصرية فى صورتها الحقيقية: صابرة، مكافِحة، حاضنة لأبنائها، وقادرة على مواجهة تعقيدات الحياة.
وأعتقد أن نقطة الانطلاق الحقيقية لمبادرة «دولة الفنون والإبداع» لاكتشاف المواهب، تبدأ من داخل الأسرة، وتحديدًا من الأم، بوصفها العين الأولى التى تلتقط الموهبة، واليد التى ترعاها، والعقل الذى يسعى إلى صقلها وتوجيهها.
غير أن نجاح هذا المشروع يظل مرهونًا باستحضار عناصر نجاح «دولة التلاوة»، وفى مقدمتها إشراك الجمهور فى التقييم، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، إلى جانب تجرد لجان التحكيم. إلا أن الركيزة الأهم، فى تقديري، تتمثل فى بناء منظومة اكتشاف مبكر ممتدة عبر الجغرافيا الاجتماعية للدولة؛ حيث يصبح دمج المدارس والجامعات ومراكز الشباب، وإعادة إحياء قصور الثقافة، ضرورة لا خيارًا، بوصفها نقاط تماس أولى مع الموهبة الخام، وإطارًا لإعادة هندسة مسار إنتاج الفنان منذ لحظة الاكتشاف الأولى.
وحدات لرصد المواهب
وفى هذا الإطار، يمكن تأسيس وحدات لرصد المواهب داخل الأنشطة التربوية، تعمل بمنهجية شبه مؤسسية على اكتشاف القدرات الإبداعية لدى الطلاب، بما يحول المدرسة من فضاء للتلقين إلى بيئة أولية لتشكيل الحس الجمالي.
كما تضطلع الجامعات بدور حاضنات الإبداع المتخصص، عبر مسابقات ومهرجانات نوعية تُدار بعقلية احترافية، تمثل مرحلة متقدمة فى الفرز وصقل المهارات.
أما مراكز الشباب، فتستعيد دورها كمنصات شعبية لاكتشاف الطاقات الكامنة فى الأطراف، عبر فعاليات فنية دورية ترتبط بمسار البرنامج، بما يحولها إلى خزانات مواهب حقيقية.
فى حين تمثل قصور الثقافة العقدة المركزية فى هذه المنظومة، بما ينبغى أن تضطلع به من دور كمراكز إشعاع ثقافى نشط، تعمل وفق خريطة وطنية لاكتشاف ورعاية الموهبة، وتُشكّل بوابات عبور مؤسسية نحو البرنامج.
وهنا تتبلور «سلسلة القيمة الإبداعية» التى تبدأ من المدرسة، وتمر بالجامعة ومراكز الشباب، وتتبلور فى قصور الثقافة، قبل أن تصل إلى الشاشة.
إن هذا التصور لا يقتصر على توسيع قاعدة الاختيار، بل يؤسس لفلسفة أعمق، مفادها أن الدولة التى تستثمر فى بناء الإنسان المبدع، إنما تعيد إنتاج قوتها الناعمة بصورة مستدامة، وتؤسس لنمط من السيادة الثقافية الهادئة التى يتجاوز أثرها حدود اللحظة.
المرأة حارسة القيم
فى المحصلة، يكشف هذا المشهد أن الدولة المصرية باتت تنظر إلى المرأة بوصفها صانعة الإنسان وحارسة القيم، وفى الوقت ذاته بوابة العبور إلى مستقبل أكثر توازنًا بين الصلابة السياسية والعمق الثقافي.
ومن هنا، فإن أى مشروع وطنى لا يضع تمكين المرأة فى قلبه يظل مشروعًا منقوصًا، لأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، والإنسان هو فى جوهره نتاج تربية أم، لكنه أيضًا ثمرة منظومة واعية تعرف كيف تكتشف موهبته وتمنحها فرصة أن ترى النور.
إن الأم المصرية تستحق التحية، فهى من تحملت بجوار الأب كلفة التحولات الاقتصادية التى تمر بها الدولة، فهى التى تستوعب ضغوط الإصلاح الاقتصادى داخل جدران الأسرة، وتعيد توزيع الأعباء، وتدير الموارد المحدودة بحكمة، وتتحمل بصمت ضغوط الحياة اليومية، دون أن تسمح بانكسار تماسك الأسرة، تعمل لتكون سندًا له، تتقاسم معه المسئولية فى مواجهة التحديات، وتحافظ على استقرار البيت فى ظل ظروف معيشية معقدة.
ومن ثم، فإن تحية الأمهات ليست مجرد تقدير رمزي، بل اعتراف بدور مركزى فى امتصاص صدمات التحول الاقتصادي، وحماية البنية الاجتماعية من التآكل، وضمان استمرار التوازن داخل المجتمع، رغم قسوة اللحظة وضغط التحديات.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







