قولا واحدا، فى زمن التحولات الكبري، والمراحل المفصلية، والتحديات الأخطر، فإن السماح بوجود أزمات بين الدول العربية، وفى القلب منها مصر ودول الخليج ، (رفاهية مرفوضة)، أو لنقلها صراحة وبكل تجرد (جريمة لا تغتفر)، فى حق شعوب المنطقة، حاضرها ومستقبلها، لأن انعكاساتها كارثية وسيدفع ثمنها الجميع دون استثناء، والواقع يقول إننا ومنذ يونيو الماضي، شاركت أمريكا وإسرائيل فى هجوم الـ 12يوماً على إيران، أمام أخطر أزمة واجهت المنطقة، فما بالك مع دخول المواجهة الجديدة حوالى شهر، دون أى مؤشرات عن نهاية قريبة، بل كل التوقعات تتحدث عن توسيع عملياتها، مع استهداف لمقدرات دول الخليج الاقتصادية.
وفى ظل هذه الأجواء الصعبة على المنطقة، نرصد ظاهرة غاية فى الغرابة وتثير الدهشة، وهى ذلك التباين بين التحركات السياسية والحوارات على مستوى القادة وكبار المسئولين فى دول المنطقة، مصر ودول الخليج ودول أخري، وبين حملات إعلامية، تتعرض لها مصر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فى إغفال لحقيقة أنها كانت منذ اليوم الأول فى قلب الأحداث، تتحرك عبر رؤية واضحة على قاعدتين أساسيتين، الأولي: لعب دور مهم باتجاه وقف التصعيد، للوصول إلى إنهاء للأزمة، والثانية: التنديد بالهجمات الإيرانية على دول الخليج، وكان ذلك وراء الجولات والاتصالات التى قام بها الرئيس السيسى إلى عواصم خليجية، ومشاورات مع قادة المنطقة والعالم، وتلقيه اتصالاً - توقف عنده المراقبون - من الرئيس الإيراني، وهو ما ذهب إليه وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطي، ناهيك عن اجتماع لافت ضمه مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان على هامش اجتماع استضافته مدينة جدة.
ويبدو أن هذا الجهد فى وادٍ، ووسائل التواصل الاجتماعى خلال الأسابيع القليلة الماضية فى وادٍ آخر، حيث تحفل بأكاذيب البعض، وترهات آخرين حول غياب الدور المصري، وهى ظاهرة كشفت عنها دراسات إعلامية مؤخراً، عنوانها (التنمر السياسى عبر المحتوى الإعلامي)، مما استدعى تدخلاً رسمياً، لوأد الفتنة باعتباره الخيار الأفضل، بعيداً عن التجاهل، وعدم إعطائها أكبر من حجمها، مع اليقين بأنها لا تعكس بأى صورة من الصور حقيقة تلك العلاقات، ولا يمكن النظر إليها كمؤشر لها، ولا تمثل ظاهرة، وهنا لا استبعد نظرية تورط (طرف ثالث)، فى محاولة تسميم أجواء العلاقات، وإثارة فتن بين الطرفين، فقد كشف التحليل الدقيق لكثير من الحسابات التى شاركت أو تصدرت الحملة الأخيرة، أن كثيراً منها لا ينتمى فعلياً إلى أى من شعوب المنطقة، وحتى الجزء اليسير منها، فقد شارك، بدون وعي، أو بحماسة تفتقد العقل، وبعيدة عن المنطق، أو حتى بحثاً عن شهرة، أو استجداء لإعجاب متابع عبر الفيس أو توتير.
ودعونا نناقش بشفافية شديدة القضية المطروحة، عبر بعض الملاحظات، وهى كالتالي:
أولاً: أن الموقف المصرى ليس محل اختبار، فالعلاقات مع الخليج أعمق من اختزالها، فى لحظة حرب ضبابية، فهى شبكة ممتدة عبر عقود، وهى ركن أصيل وركيزة أساسية للأمن القومى المصري، والتاريخ شاهد على ذلك، ولن نتحدث عنه طويلاً منذ أغسطس١٩٩٠، وحتى الآن، حيث شاركت بفاعلية فى عمليات تحرير الكويت، حتى عمليات عاصفة الحزم لإعادة الشرعية فى اليمن، فقد شاركت مصر ضمن تحالف إقليمى فى أبريل عام ٢٠١٥، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، وكان الرئيس السيسى واضحاً، عندما أعلن أن تلك المشاركة مقصورة على قوات جوية وبحرية للدفاع عن الأمن القومى المصرى والعربي، فى منطقة الخليج العربي، والبحر الأحمر وباب المندب.
ثانياً: دعونا نكن أكثر صراحة فى الأزمة الأخيرة، فالمطلوب من مصر الدعم لدول الخليج، وليس التورط فى الحرب، فى ظل فائض القوى لدى واشنطن وتل أبيب، مع افتقادهما لأى غطاء شرعى دولي، يمكن أن يتم من خلاله التدخل، كما أن واشنطن فشلت فى تكوين أى تحالف دولى مساند للعملية، بل الكل سعى إلى (نفض يديه منها)، مع إشكالية الاصطفاف مع إسرائيل فى الهجوم على دولة مسلمة، مهما كان من تحفظات على سياستها، ويضاف إلى ذلك أن هناك دوراً لمصر فى تسهيل الحوار غير المباشر، ونقل الرسائل وتقديم المبادرات، وهو ما تم الكشف عنه الإثنين الماضي، بمشاركتها فى الوساطة مع باكستان وسلطنة عمان وتركيا، والذى ساهم فى وقف هجمات ترامب على منشآت الطاقة الإيرانية.
ثالثاً: دول الخليج معتدى عليها، تجد نفسها أمام (حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل)، فرضت عليها معادلة معقدة، كيف تدافع عن نفسها، دون أن تتحول إلى طرف مباشر فى حرب لا تتحكم بمسارها، ولهذا فقد التزمت باستراتيجية (الحياد الحذر)، باعتباره أولوية، ومنع تحويل ساحاته إلى تصفية حسابات، مع حماية - إلى حد ما - للمكتسبات التنموية، من تداعيات الانخراط فى صراعات مفتوحة، كما أن مواقفها تتسم أيضاً (بالحزم المتوازن)، والذى يتضمن الجمع بين ضبط النفس، مع حق الدفاع عن السيادة الوطنية، وتخطط لتنفيذ (استراتيجية التحوط) بتوسيع دائرة تحالفاتها الإقليمية والدولية، مع الاتحاد الأوروبي، ودول مثل تركيا وباكستان والصين، مع الوضع فى الاعتبار أن هناك شراكة استراتيجية مع مصر عبر تاريخ المنطقة.
وبعد، وعلينا ومنذ الآن، التعاطى بالجدية المطلوبة، مع مرحلة ما بعد وقف العمليات العسكرية، خاصة وأن طرفى الصراع إسرائيل وإيران، طرحا رؤيتهما بهذا الخصوص، وهى كالتالي:
الرؤية الإسرائيلية: وعنوانها( القيادة بالقوة)، حيث طرح نتنياهو مشروعاً تحدث عنه صراحة، بنجاحه فى رسم خريطة للشرق الأوسط الجديد بالقدرات العسكرية، وقال بتبجح (ليس للسيد المسيح أى ميزة عن جنكيز خان، فعليك أن تكون قوياً وقاسياً بما يكفي)، دون الاعتماد على الأخلاق والعدل والحق، مما دفع المفكر اليهودى الفرنسى «يعقوب كوهين» للقول منذ أيام: (إسرائيل أصبحت وحشاً خارج السيطرة).
الرؤية الايرانية: (القيادة الناعمة)، وقد لخصها الرئيس مسعود بزشكيان، عبر مقترح نظام أمنى ومجلس إسلامي، يضم دول المنطقة، يبحث آلياته وإقراره، لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتحقيق السلام المستدام، ولكن الملاحظ، أنه تحدث عن (قيادة بلاده) للمنطقة إلى التنمية والتقدم، دون أن يتواضع للحديث عن المشاركة على الأقل.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







