لوحـات تنبض بالحياة ...سحر الطقوس مهرجانات شاملة تمزج الدين بالفن

 مهرجانات شاملة تمزج الدين بالفن
مهرجانات شاملة تمزج الدين بالفن


الموالد لوحة نابضة بالحياة، تلتقى فيها أنوار الفوانيس مع أصوات المدائح، وتمتزج فيها روح التاريخ ببهجة الحاضر، منذ أن اجتمعت القبائل لإحياء ذكرى مولد النبى  وحتى تحول الاحتفال إلى مهرجانات شعبية عامرة بالألوان والأنغام، ظل للمولد حضوره الخاص الذى يجمع بين الوجد الروحى والفنون الشعبية، بين حلقات الذكر الصوفية والإنشاد الدينى الذى أنجب أعلاماً فى سماء الفن العربي.. ليست الموالد مجرد طقس ديني، بل فضاء واسع تتجاور فيه الأطعمة الشعبية، والحرف التراثية، والفنون الاستعراضية، لتشكّل كلها جزءًا من هوية ثقافية ممتدة، وبين مؤيدين يرون فيها وسيلة لتعميق المحبة والوصال مع السيرة النبوية، ومعارضين يعدّونها بدعة تحتاج إلى ضبط، يتجلى عمق هذا التقليد وقدرته على البقاء متجدداً، وفى الملف التالى تسلط الأخبار الضوء على أبرز ملامح هذا التراث الحى، من طقوسه وبهجته الشعبية إلى جدله الدينى والاجتماعى.

اقرأ أيضًا | يوم ولد الهدى.. النور الذي أضاء درب الإنسانية

فى ليلة مولد الحسين، تتوهج القاهرة القديمة بألوان لا تحصى.. فوانيس معلقة تتمايل مع نسمات الليل، أصوات الباعة تتداخل مع مدائح صوفية تخرج من حلقات الذكر، ورائحة السكر المحترق من حلوى المولد تملأ الأزقة، حيث يزدحم الناس من كل طبقات المجتمع، يبدو المشهد وكأنه مسرح مفتوح للحياة، تختلط فيه القداسة بالفرح الشعبي، المولد ليس مجرد مناسبة دينية، بل حالة جماعية تتكرر كل عام، تعكس قدرة المصريين على تحويل الذكرى الروحية إلى مهرجان شامل يجمع الدين بالفن، والطقوس بالبهجة.

البدايات كانت فى قلب القاهرة الفاطمية، حيث نظم الخلفاء احتفالات ضخمة بمولد النبى ، ليس فقط للتعبير عن المشاعر الدينية، بل أيضًا لترسيخ شرعية الحكم، مع مرور الزمن، خرجت الطقوس من أسوار القصور إلى الشوارع، وصارت الأضرحة مقصدًا لعامة الناس، يجدون فيها البركة والطمأنينة.. ومع انتشار الطرق الصوفية، أصبح لكل شيخ ومريد مولده الخاص، فتعددت المناسبات وتنوعت أشكال الاحتفال، هكذا تحول المولد من حدث رسمى محدود إلى مساحة رحبة يعيشها الجميع، تتداخل فيها الأبعاد الروحية مع الاجتماعية، ويجد كل فرد فيها ما يعبر عن وجدانه، سواء بالذكر أو بالرقص أو بمجرد التواجد فى هذا المشهد المهيب.

أماكن المولد

كل ضريح فى مصر يحكى قصته عبر مولده، من مقام الحسين فى القاهرة إلى السيد البدوى فى طنطا، ومن السيدة زينب إلى أبو الحسن الشاذلى فى حميثرة، تتحول هذه الأماكن إلى قبلة للزوار، البعض يأتى للتبرك، آخرون للتقرب، وكثيرون يأتون فقط ليكونوا جزءًا من الحدث الذى يملأ المكان حياة.. لكن الأضرحة ليست وحدها الحاضنة؛ فالشوارع والميادين تتحول إلى عالم موازٍ، خيام تنصب لاستقبال الزوار، باعة يعرضون ألعابًا وحلوى، أطفال يتأرجحون على مراجيح خشبية، ونساء يجلسن على أطراف الطرق يبعن الذرة والفول، المكان كله يصير مشهدًا بانوراميًا يتداخل فيه الدينى بالاحتفالي، والقدسى باليومي.

تقويم مزدوج

توقيت المولد يحمل طابعًا خاصًا؛ يبدأ صباحًا بالزيارات وتلاوة القرآن، ثم يتصاعد تدريجيًا حتى يبلغ ذروته مع الليل، آنذاك، تشتعل حلقات الذكر، وترتفع أصوات المداحين، وتتلألأ الفوانيس فى الأفق وكأنها نجوم سقطت إلى الأرض.. ومع اتساع الاحتفالات، صار العام المصرى مكتظًا بالمواعيد: مولد النبى فى ربيع الأول، مولد السيدة زينب، مولد السيد البدوي، ومئات الموالد الأخرى فى القرى والنجوع، كل منها يكتب فصلًا جديدًا فى هذا التقويم الشعبى الذى لا يخضع لتاريخ رسمى بقدر ما يخضع لوجدان الناس وعلاقتهم بالقداسة.

مواسم المولد

المولد أيضًا سوق كبير، الحلوى الملونة، عرائس المولد المصنوعة من السكر، وألعاب الأطفال البلاستيكية كلها تحولت إلى رموز بصرية للمناسبة، الأسواق المؤقتة تضج بالباعة، والزبائن يتنقلون بين عربات الطعام وأكشاك الملابس والتحف الشعبية، ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على البيع والشراء، هناك مسرح للفن الشعبي: مواويل تغنى، رقصات فلكلورية تؤدى، وإنشاد صوفى يهز القلوب قبل الآذان، هذا التداخل بين الاقتصاد والفن والروحانيات يجعل المولد موسمًا متكاملًا، يرضى حاجات الجسد والروح والخيال معًا.