ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه فى حينه. وفى رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعى من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا فى أسئلتنا.
يستدعى المعمارى حمدى السطوحى، مساعد وزير الثقافة ورئيس صندوق التنمية الثقافية، شخصية استثنائية من عمق التاريخ المصرى القديم هى «عنخ تيفي»، حاكم مقاطعة «نخن» فى زمن عصيب من تاريخ مصر، حين ضربت المجاعة البلاد وتفككت السلطة المركزية؛ لكن الرجل، كما تخبرنا نصوص مقبرته، لم يستسلم للفوضى، بل أطعم الجائعين وأنقذ إقليمه من الهلاك. فى هذا الحوار المتخيَّل، يحاول «السطوحي» أن يسأل جدنا البعيد عن سر تلك التجربة الإنسانية الفريدة، وعن معنى المسؤولية، والوحدة، والإنسانية فى زمن الأزمات. وجاء هذا الحوار:
■ إذا عدت إلى التاريخ، من تختار أن تجلس معه على مائدة واحدة؟
سأختار جدنا «عنخ تيفي»، أحد أجدادنا العظماء، كان حاكم مقاطعة «نخن Nekhen» فى الأسرة التاسعة فى مصر القديمة، وهو من أقوى شخصيات الأسرة التاسعة خلال فترة الحكم الغامضة للملك نفر كارع Neferkare.
■ لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟
لسببين، الأول أنه كان فى عصر الاضطراب الأول وأزمة كبيرة يعيشها العالم، ولكن بالرغم من التفكك وانتشار الفتنة واهتمام حكام الأقاليم بشئون أقاليمهم وضعف السلطة المركزية، وبالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التى أدت إلى المجاعة، بالرغم من كل هذا نجد جدنا «عنخ تيفي» لا ينجح فقط فى إطعام إقليمه، ولكن فى إرسال الغلال حتى «دندرة»!
سنجد هذا النص على جدران مقبرته: «السماء كانت ملبدة بالغيوم، جفت الأرض، كان الناس يموتون من الجوع، لقد عملت على ألا يموت أحد من الجوع.»
أما السبب الثانى: أنه بالرغم أن هذه الشخصية مهمة ومحورية جدًا فإننا لا نعلم عنها بالقدر الذى يتناسب مع قيمتها، وهذا ما جعلنى أستدعيها لأحاورها حتى نلقى الضوء عليها تمهيدًا لأن نتعلم من التجربة، وبالتبعية نرد له اعتباره تقديرًا لقيمة ما قدمه.
■ وماذا تمثل لك الآن؟
الإلهام هو ما تمثله لى شخصية عنخ تيفى، وأفكاره التى وثقت فى النصوص على جدران مقبرته ما يمكن أن يكون هدية مصر إلى العالم فى هذا الوقت الحرج، حيث إنها تمثل رؤية لأن نُعيد الإنسانية للإنسان بعد أن فقدناها عبر الزمن.
■ ما أهم سؤال تريد أن تسأله له؟
أريد أن أسأله سؤالًا مركبًا محوريًا، وهو: كيف استطعت أن تقنع شعبك بأن مصلحة الفرد تتحقق من مصلحة المجتمع، وأن قوتنا فى وحدتنا، وأن الإنسانية لا تقبل التجزئة أو المساومة؟ كيف تحملت المسئولية وسط هذه الصعاب؟ كيف زرعت وأنت مؤمن أن من سيحصد سيأتى من بعدك؟ كيف استطعت أن تجعل الجميع يصدقك؟
■ هل كان يمكن أن يختار طريقًا آخر؟
بالتأكيد، كان من الممكن أن يختار أن يسلك الطريق الذى سلكه من قبله، ولكنه قرر أن يبدأ طريقًا مهد إلى عصر الانتقال ومن ثم عصر الرخاء. إنه رفض الوضع الصعب الذى اتسم به العصر، وصدق فى قدراته وقدرات شعبه وأنهم يستحقون أفضل مما يعيشون، وتحرك نحو تحقيقه.
■ ما الذى تود أن تعرفه عن ضعفه؟ عن خوفه؟ عن لحظة شكه؟
بالرغم من إيمانى بأن الشخصيات التاريخية لا يتم إدراك قيمتها فى وقتها الحالى، حيث ندرك قيمتها فى المستقبل حينما تصبح تاريخًا، وبالرغم من قوة شخصيته وإيمانه بما قدمه، فإننى متشوق لأعرف الكثير عن لحظات الضعف التى عاشها، وعن خوفه من أن شعبه لن يصدق فى رؤيته أو قدرته على تحقيق ما كان يهدف له. ومن جانب آخر، يدور فى ذهنى سؤال هام وهو: متى شك فى قدرته على تحقيق الحلم أو تلك الأهداف السامية؟
■ ماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟
إن العالم يعيش الآن ظروفًا صعبة جدًا، مما يجعل كل دولة أو مجموعة أو حتى على مستوى الفرد ينشغل بحاله الشخصى، مما يجعله يبحث عن قوت يومه ويقول بعفوية شديدة «يلا نفسي»..! فهل تصلح أفكاره أن تُطبق اليوم، تلك الأفكار التى تهتم بالإنسان واحتياجاته وتكامله ووحدته؟
■ ما النصيحة التى قد يأخذها منك أو تأخذها منه؟
فى الحقيقة، لا أملك نصيحة له بقدر احتياجى لأن يعطينا كلنا نصيحة حول كيف من الممكن أن نتمسك بالإنسانية فى وقت تخلى الإنسان عنها بكل طواعية. كيف استطاع وسط كل هذه الظروف الصعبة أن يتبنى مبادئ بسيطة هامة جدًا كما ذكر فى النص: «أطعمتُ الجائعَ خبزًا، وكسوتُ العاريَ ثيابًا، وألبستُ من كان حافيًا حذاءً، وزوّجتُ من لم تكن له زوجة»، أو النص الآخر: «مات أهل صعيد مصر جميعًا جوعًا، أما أنا فلم أسمح للموت أن يحدث جوعًا فى هذه البلاد»، وفى نص آخر: «لم أسمح قطّ للموت أن يحدث بسبب الجوع فى هذه البلاد».
■ سؤال واحد خارج السياق، صادم، إنسانى، أو أخلاقى؟
جدى العزيز «عنخ تيفي»، لدى سؤال يلح عليّ ويحيرنى جدًا، هل إذا تواجدت معنا فى هذا العصر ووجدتنا مبهورين بمنتجات أجدادنا من الذهب، ولا نلتفت إلى كلامك الذى من ذهب؛ ماذا كان سيكون موقفك ورد فعلك وقرارك؟ هل كنت ستتراجع عما قمت به فى الماضى؟ أم كنت ستتمسك به مؤمنًا بأننا فى يوم سندرك قيمة ما تركته لنا؟
■ ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟
سيبقى معى التعلم من التجارب والإيمان بالفكرة والتمسك بالإنسانية.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







