عيش أمريكانى بطعم النيل

فنانة الديكور والخبز «تنحت» قصة نجاحها فى قلب الولايات المتحدة

عيش أمريكانى بطعم النيل
عيش أمريكانى بطعم النيل


فى ولاية فيرجينيا الأمريكية، وعلى بُعد آلاف الأميال من رائحة الطمى ودفء الأفران البلدية فى أحياء القاهرة القديمة، تقف سيدة مصرية أمام فرنها الكبير، تراقب أرغفة الخبز وهى تنتفخ على نار هادئة، كأنها تكتب سيرة حياة جديدة بلغة الدقيق والماء والحنين، أمل حسان، أو «مولى» كما يناديها أبناء الجالية المصرية بفيرجينيا، فنانة مصرية قررت أن تزرع فى الغربة قطعة من الوطن.

حصلت «مولى» على بكالوريوس التجارة من جامعة القاهرة، لكن روحها لم تكن أسيرة الأرقام وحدها، كانت موهوبة فى عالم الديكور والمفروشات، خاصة فى تجهيز لوكاندات الأقصر وأسوان السياحية.
حبها للمغامرات المحسوبة هى وزوجها شريف، شريك عمرها وتجاربها قادهما إلى مغامرة أكبر، الهجرة إلى الولايات المتحدة، حيث خاض شريف عدة محاولات للتجارة والبيزنيس أما هى فلم تكتفِ بما تحمله من خبرات، بل قررت أن تبدأ من جديد. التحقت بأمريكان كوليج فى ولاية فيرجينيا، ودرست الماجستير فى المحاسبة والمراجعة، وأنهت البرنامج فى 15 شهرًا فقط، فى إنجاز لافت يعكس عزيمتها وإصرارها، تفوقها الأكاديمى لم يمر مرور الكرام. فاختارها البروفيسور المشرف عليها للعمل معه فى شركته الخاصة. بدأت فترة تدريب لمدة ثلاثة أشهر دون مقابل، فى اختبار حقيقى للقدرة والصبر. قال لها يومها: «من حقك أن تسألى ما تشائين من أسئلة لمدة أسبوعين، لكن بعد ذلك لن أقبل أى سؤال». كان التحدى قاسيًا، لكنها قبلته بثقة، استوعبت كل التفاصيل، وامتصّت الخبرة كالإسفنج، حتى أصبحت الذراع الرئيسية لنجاح الشركة.. وعندما ألمّ المرض العضال بصاحب الشركة وقرر تصفيتها، وقفت مولى موقفًا نادرًا فى زمن المصالح الباردة. قالت «لا يهمك سأديرها كأنك موجود، ولن تندم». وبالفعل تولت الإدارة وحققت نجاحًا كبيرًا، وحافظت على الشركة فى كنف صاحبها، الذى قدّر لها هذا الوفاء قبل الكفاءة.. لكن رغم النجاح المهنى فى عالم المحاسبة، ظل شيء ما يناديها من بعيد. كانت تشتاق إلى المطبخ، إلى الروائح التى كانت تملأ بيتها فى مصر، إلى الأكلات والحلويات التى اشتهرت بها بين الأهل والأصدقاء. ومنذ عامين فقط، قررت أن تعود إلى شغفها الأول، لكن هذه المرة على أرض أمريكية.
جاءت الفرصة صدفة، حين وجدت هى وزوجها، فرنًا كبيرًا معروضًا للبيع. كان مشروعًا ضخمًا يملكه أمريكى من أصول إيطالية، متخصصًا فى الخبز والمخبوزات الإيطالية، يضم نحو 120 صنفًا من العيش. درسا الأمر لمدة ستة أشهر كاملة، بين حسابات العقل ونداء القلب، قبل أن يتخذا القرار بالشراء.
استمر المشروع عامًا كاملًا دون أن تُغيّر «مولى» فيه شيئًا. كانت تحترم الكيان القديم، وتحفظ تاريخ المكان واسم صاحبه، الذى أبقت عليه تقديرًا له «كاردينال بيكري»، لم تمس العمالة بسوء، بل احتفظت بالجميع، وبدأت فى تدريبهم على صنع الخبز المصرى والحلويات الشرقية.
شيئًا فشيئًا، بدأت اللمسة المصرية تتسلل إلى الأرفف، إلى جانب الخبز الإيطالي، ظهر العيش البلدي، السميط، البقسماط، والدقة، العيش الشامي، العيش الأسمر، والفينو بأشكاله المتعددة. لم يكن الأمر مجرد إضافة أصناف جديدة، بل كان جسرًا ثقافيًا بين ضفتى المتوسط بمخبوزات مصرية وإيطالية.
اليوم، يخدم المخبز نحو 400 عميل من كيانات وشركات، إلى جانب منفذ بيع مباشر للأفراد. يعمل بالإضافة إلى أكثر من 100 موظف بالمخبز 18 شاحنة لتوصيل الطلبات، فى منظومة دقيقة لا تهدأ.
لم تكتفِ مولى بالمنتجات المصرية والإيطالية، بل أدخلت أيضًا منتجات يونانية، نظرًا لكثرة الجالية اليونانية فى المنطقة.. فى المواسم، يتحول المخبز إلى خلية نحل. أعياد المسلمين والمسيحيين، عيد الحب، والمناسبات المختلفة، كلها محطات للإبداع والتجديد. لكل موسم نكهته، ولكل احتفال خبزه الخاص.
وفى قلب هذه الحكاية، تقف أسرتها سندًا وشراكة. ابنتهما ليلى تعمل معهما فى الشركة، تتعلم أسرار الإدارة كما تعلمت أمها من قبل، بينما يواصل الابن عمر دراسته، حاملاً ربما حلمًا آخر فى المستقبل. هكذا تمتد الحكاية من جيل إلى جيل، من القاهرة إلى فيرجينيا، ومن دفاتر المحاسبة إلى أفران الخبيز.