رانيا يحيى تحاور ثروت عكاشة

رانيا يحيى و  ثروت عكاشة
رانيا يحيى و ثروت عكاشة


ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه فى حينه وفى رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعى من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا فى أسئلتنا.

اقرأ أيضًا|  متحف الأكاديمية المصرية بروما يجذب أعدادًا كبيرة من الزوار الأوروبيين


فى هذا الحوار تختار الدكتورة رانيا يحيى، المديرة السابقة للأكاديمية المصرية للفنون بروما، أن تتحاور عبر الزمن مع أحد أبرز بناة المشروع الثقافى المصرى فى القرن العشرين، الوزير والمفكر الدكتور ثروت عكاشة.

رائداً فى إقامة مؤسسات ثقافية ما زالت تؤدى دورها حتى اليوم، وفتح أبواب مصر على الفنون العالمية، واضعًا الثقافة فى قلب المشروع الوطني فى هذا الحوار المتخيَّل، تحاول رانيا يحيى أن تستعيد رؤيته، وأن تسأله عمّا كان ينقص مشروعه. فى البداية سألتها:

إذا عدتِ إلى التاريخ، من تختارين أن تجلسى معه على مائدة واحدة؟

- أختار الدكتور ثروت عكاشة، وزير الثقافة الأسبق، ورائد الثقافة المصرية فى العصر الحديث.

لماذا هذه الشخصية تحديدًا؟ وماذا تمثل لك الآن؟

- يمثل لى قدوة ونموذجًا متفردًا؛ فهو صاحب مشروع تنويرى حقيقى وقد قدّم الكثير للثقافة المصرية ومن وجهة نظرى هو أفضل من تولّى وزارة الثقافة أعتبره أيقونة للثقافة المصرية؛ إذ كانت الثقافة بالنسبة إليه مشروعًا وطنيًا يقود المجتمع بأكمله، وقاطرة للنهوض بوعيه واستنارته ومواجهة الأزمات. لذلك أرى أن وزارة الثقافة واحدة من أهم الوزارات، وأن دورها يأتى مباشرة بعد الوزارات السيادية.

ما أهم سؤال تودين توجيهه إليه؟

- كنت أتمنى أن أعرف: ماذا كان ينقص هذا الرجل العسكرى صاحب الرؤية، المثقف الواعي، لكى يكتمل مشروعه ويشعر بالرضا الكامل بأنه أدى هذه المهمة على أكمل وجه؟ وسأسأله أيضًا عن حريق دار الأوبرا الخديوية عام 1971؛ وهى أكبر وأهم وأول دار أوبرا فى الشرق الأوسط. إذا حدث فى عهده، ما رد فعله؟ وما القرارات التى سيتخذها؟ وما رأيه بعد أن تحول هذا الموقع الفريد إلى جراج؟!

أين أخطأ من وجهة نظرك؟

- لا أستطيع أن أقول إن لديه أخطاء؛ فبالمقارنة بمن جاءوا بعده، نعرف قيمة هذا الرجل العسكرى الذى خاض معركة الوعى بسلاح الفن؛ فنحن ما زلنا حتى اليوم نعيش على المؤسسات التى أسسها فى وزارة الثقافة.

هل كان يمكن أن يختار طريقًا آخر؟

- لا أعتقد ذلك. بثقافته ووعيه واستنارته واطلاعه على الثقافة العالمية، خاصة الأوروبية، كان يسير فى طريق واضح. صحيح أن هناك من انتقد مشروعه بدعوى أنه كان يقرب ثقافتنا من الثقافة الأوروبية، من خلال إدخال فنون مثل الباليه والموسيقى الكلاسيكية وما إلى ذلك.

لكنني، بوصفى دارسة للفنون وممارسة لها من خلال الموسيقى عشقى الأول، أرى أن ذلك كان مشروعًا مهمًا جدًا؛ لأن امتلاكنا لهويتنا الخاصة لا يتعارض مع الانفتاح على الآخر، بل إن هذا الانفتاح ميزة كبيرة.

ومن اللافت أنه أرسل الفراشات الخمس ـ نواة فرقة باليه أوبرا القاهرة ـ لتقديم عروضها أمام العمال المشاركين فى بناء السد العالي. وهذا يعكس أنه كان رجلًا سابقًا لعصره، يمتلك رؤية ثقافية تهدف إلى الارتقاء بالذوق العام إلى أبعد مدى؛ لأن مشروعه وعى الشعب والارتقاء بذوقه، وليس مجاراة الذوق السائد لدى المجتمع.

ما الذى تودين أن تعرفيه عن ضعفه، وعن خوفه، وعن لحظة شكه؟

- كنت أود أن أعرف كيف كان يواجه لحظات الضعف فى مواجهة الأزمات؛ فكل إنسان يمر بأزمات قد تمثل نقطة ضعف فى حياته. لذلك كنت أحب أن أعرف كيف كان ينتقل من الضعف إلى القوة لمواجهة أى أزمة.

أما الخوف، فلا أعتقد أنه كان يعرفه؛ فقد كان رجلًا عسكريًا، وأنا ابنة رجل عسكري، والعسكريون لا يخافون. أما عن الشك، فلا أظن أنه كان يسيطر عليه؛ لأنه كان يحيط نفسه بمجموعة متميزة من المثقفين والمفكرين الذين ساعدوه كثيرًا فى تقديم مشروع ثقافى حقيقي.

ماذا ستسألينه عن عالمنا اليوم؟

- سأسأله عن رأيه فى الوضع المتراجع الذى وصلت إليه الثقافة المصرية، فى ظل انتشار موسيقى المهرجانات، وسطوة مواقع التواصل الاجتماعي، وندرة وجود مسئولين يمتلكون رؤية أو هدفًا واضحًا كنت سأطرح عليه سؤالًا مباشرًا: ماذا كنت ستفعل لو كنت فى موقع المسئولية اليوم؟ وما شعورك وأنت ترى المؤسسات التى بنيتها برؤية حقيقية وأهداف واضحة؟ وإلى أين وصلت هذه المشاريع الثقافية التى كانت تحظى يومًا باهتمام كبير، وكان لها أثر فعّال فى المجتمع؟

ما النصيحة التى قد يأخذها منك؟

- كنت سأطلب منه أن يمنح الثقافة الجماهيرية اهتمامًا أكبر، وأن يعمل على تقليل المركزية فى القاهرة. فعلى مدار العصور الماضية، وحتى الآن، ما زالت المركزية تسيطر على أداء مؤسسات الثقافة المصرية، رغم وجود قصور الثقافة فى القرى والنجوع، التى كان يمكن أن تكون جزءًا من مشروع ثقافى قومى واضح وفاعل.

ما الفكرة التى قد ترفضينها منه؟

- فى الحقيقة، أراه نموذجًا رائعًا يصعب الاعتراض على رؤيته أو مشروعه.

سؤال واحد خارج السياق، صادم، إنساني، أو أخلاقي؟

- هل تعتقد أن الارتقاء بالذوق العام ممكن أن يتحول لنوع من الوصاية على الناس؟ وما اللحظة التى شككت فيها أن الثقافة قد لا تكون كافية لإنقاذ المجتمع؟

ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

- سيبقى معى متعة حوار هذا النموذج الملهم.