“..اتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج ، المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم هبوا لإنقاذها، قوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم ، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السموات “
من خطاب البابا أوربان بابا روما فى حشود الحملة الصليبية الأولى المتجهة للشرق.
لم يكن يستطيع البابا إخبار البسطاء المحتشدين للذهاب الى الحرب بأن الحملات الصليبية حملات استعمارية من أجل السلب والنهب وإنقاذ أوروبا وأمرائها المتناحرين من الجوع والعنف وملء خزائنهم بالذهب على حساب شعوب لا ذنب لها .إذا اأخبر البابا الحشود بحقيقة مايدبر تحول إلى قاطع طريق والبسطاء مجرد لصوص سيطالبون مقاسمته الغنيمة أما الشرفاء منهم سيرفضون الحرب، هنا يأتى استخدام الدين من تجار الدين لإضفاء القداسة على الاستعمار والنهب والسلب فتتحرك الحشود لتصبح جيوشا تندفع كقطعان تنشر الخراب باسم الدين والشعارات المقدسة والحقيقة أن الدين من هذا براء والشعارات زائفة .
طوى التاريخ صفحة البابا أوربان ولكنه لم يطو صفحة الإتجار بالدين فى الحروب، تفتح صفحة أخرى فى البيت الأبيض مع الرئيس الأمريكى ترامب جالسا على مكتبه محاط بنجوم الدعاية الدينية والكنائس التليفزيونية وعلى رأسهم باولا وايت مسئولة مكتب الإيمان بإدارة ترامب فى مشهد ينتمى للعصور الوسطى من أجل استنزال البركات على ترامب ومكتبه وفتح باب النصر أمام أساطيله وجيوشه فى حربه المقدسة على ملالى إيران .
بعيدا عن البركات والدعوات لايخبرنا المشهد فى المكتب البيضاوى الحقيقة، فزعيمة النجوم الدينين بولا وايت مسئولة مكتب الإيمان تطاردها سمعة الفساد والتربح من وراء الدين وقضايا سرقة التبرعات من السائرين وراء خرافاتها وآخر ما ابتكرته لجمع التبرعات أن يدفع المتبرع ألف دولار ليحصل على ملاك يدافع عنه وستحضر باولا الملاك الحارس من ملائكة إفريقيا، هذه هى المسئولة عن المعتقدات الإيمانية للرئيس الأمريكى ويستشيرها عندما تمر به النوازل ويواجه التحديات .
هل لايعرف الرئيس ترامب هذه المعلومات عن مسئولة مكتبه للإيمان وفضائح أغلب من أتوا إلى مكتبه مع باولا ليعطونه البركة ؟ بالتأكيد يعرف ويعلم جيدا أنهم مجرد تجار دين ولكن المشهد المقدس مطلوب أمام الملايين من الأمريكيين المتدينين المتواجدين فيما يطلق عليه الحزام الانجيلى بالولايات المتحدة ويصدقون باولا ورفاقها التجار.
يعتبر سكان هذا الحزام من أشد مؤيدى ترامب وعندما يشاهدون هذا المشهد المبارك سترتفع نسبة التأييد للرئيس المؤمن سواء حارب إيران أو سالمها وتنهال أيضا التبرعات على الحملات الانتخابية لمؤيدى ترامب من المرشحين فى انتخابات التجديد النصفى القادمة .
لايعتبر ترامب حالة فريدة، البيت الأبيض له تاريخ عريق فى الإتجار بالدين لخدمة المصالح فيستقبل الرئيس أيزينهاور قيادات الفاشية الإخوانية للتنسيق والاستخدام من أجل محاربة حركات التحرر من الاستعمار والمشاريع الوطنية فى الوطن العربى والعالم الثالث .
يتحول كل من الرئيسين جيمى كارتر و رونالد ريجان إلى شيوخ ورعاة لحركة الجهاد العالمية فالأول يتحالف مع الفاشية الإخوانية بإدارة مستشاره زيجينو بريجينسكى لمحاربة السوفيت فى أفغانستان عام 1979 تحت لافتة عقائدية فخمة الإسلام والمسيحية فى مواجهة الإلحاد الشيوعى ويليه فى الرئاسة ريجان الذى يستقبل "المجاهدين" فى البيت الأبيض معلنا قداسة حرب أفغانستان وأنها حرب الأديان فى مواجهة الإلحاد ومن خلف القداسة تكمن أسباب أخرى أولها مد النفوذ الأمريكى وتبرعات بمليارات الدولارات تنهال على السياسيين الأمريكيين المؤيدين للحرب ومشغلين آلتها العسكرية ويمنح هذه التبرعات المسيحيون والمسلمون المصدقون فى قداسة الحرب ضد الإلحاد.
يمكن معرفة حجم التبرعات التى تم جمعها من وراء هذه القداسة المزعومة بقراءة كتاب (حرب تشارلي ويلسون) الذي كتبه الصحفى المتخصص في الأفغانية (جورج كريلا) .
لا يعدم البيت الأبيض انتاج رؤساء من محترفى التجارة فى الدين ويتفوق على الجميع الرئيس براك أوباما فهو السياسى الذى يدعى الليبرالية والتسامح وزار القاهرة فى صيف 2009 ليلقى خطابه الشهير فى جامعة القاهرة ويعلن فيه أن الدين الإسلامى جزء من المجتمع الأمريكى وأنه يجب علينا جميعا كبشر الترفع عن الصراعات الدينية ونتصالح مع بعضنا البعض .
تكلم أوباما فى خطاب جامعة القاهرة بحديث القديسين ولكن فى الخلفية كان أوباما تاجر الدين ووزيرة خارجيته هيلارى كلينتون يصدران الأوامر للمخابرات الأمريكية للتحالف مع الفاشية الإخوانية عدوة التسامح والتصالح ذات التاريخ الدموى الإرهابى للسيطرة على الشرق الأوسط من أجل أن تكون الفاشية الإخوانية كعادتها الوكيل الأول للمشروع الاستعمارى الأمريكى فى منطقتنا المنكوبة بالفاشية الدينية سواء الإخوانية أوالصهيونية .
فى الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وطهران وملاليها من جهة أخرى نجد أن بورصة الإتجار فى الدين ارتفعت أسهمها لمعدلات غير مسبوقة من الطرفين فنرى ترامب فى مشهد استنزال البركات عليه فى مكتبه البيضاوى لتحقيق النصر فى حربه المقدسة كما يزعم ووزير دفاعه هيجست يأمر جنرالات الجيش الأمريكى بأن يخبروا الجنود بأنهم فى حرب الهية مفتوحة كما نشرت الجارديان .
يتصدر نتنياهو وعصابته من أمثال سميتريتش وبن غفير السوق الحرام فهم تخصص تجارة دين لإخفاء الوجه الاستعمارى الإسرائيلى ومن ناحية أخرى إرضاء مجانين نبؤات نهاية الزمان فى واشنطن الذين يمنحون العصابة مليارات الدولارات بوهم تحقيق جنونهم .
أما حقيقة نتنياهو وعصابته وحقيقة من سبقوهم فى حكم إسرائيل أنهم مرتزقة يخدمون المشاريع الاستعمارية للامبراطوريات منذ عام 48 والقائمة على السلب والنهب وما الكيان الإسرائيلى سوى نسخة مكررة من الإمارات الصليبية التى زرعها ملوك أوروبا على شواطئ فلسطين لاستنزاف خيرات وطننا العربى والإسلامى .
مازال فى سوق تجارة الدين المنتعش بزمن الحرب متسعا لمزيد من التجار والزبائن السذج المستهلكين لهذه البضاعة الفاسدة،هل ملالى طهران بعيدين عن هذا السوق؟ أنهم فى قلب السوق منذ لحظة سرقة الثورة الإيرانية فى العام 1979 من الشعب الإيرانى ووصول الخومينى الى طهران على طائرة فرنسية بحماية أمريكية .
فى نفس هذا العام 79 تم استدراج الاتحاد السوفيتى لغزو أفغانستان بخطة زيجينو بريجينسكى مستشار الأمن القومى الأمريكى ليصبح السوفيت محاصرين بالفاشية الإخوانية وبن لادن ومجاهديه من أفغانستان ممثلين للمسلمين السنة وعلى الجانب الآخر فى الحصار ملالى طهران ممثلين للشيعة أنها لعبة معقدة استخدمت واشنطن فيها تجار الدين لإسقاط الامبراطورية السوفيتية التى سقطت بالفعل فى ديسمبرعام 1991
استغل ملالى طهران هذه الفرصة التاريخية ليصبحون العدو الظاهر / الحليف المستتر للامبراطورية الأمريكية ويستولون على مكانة مميزة فى سوق التجارة بالدين ويبيع الملالى للسذج شعارات تحرير القدس إخفاء لمشروع استعمارى طائفى فارسى ويبدأ طريق تحرير القدس باختطاف الدولة فى لبنان والعراق واليمن وسوريا قبل سقوط دمشق فى يد الشهبندر الجولانى .
المضحك أن الشهبندر هو الآخر كان يبيع بضاعة تحرير القدس ولكن بعد أن منحته اللعبة الاستعمارية دمشق وتعطر بعطر رجل البركات ترامب تخلى الشهبندر عن القدس وقرر أن يبيع الجولان وعموم أراضى سوريا لرفاقه فى السوق إلى محلات نتنياهو وشركاه ولامانع أيضا دخول محلات أردوغان إخوان فى المنافسة .
لايختلف هنا شهبندر سوريا القادم من رحم الفاشية الإخوانية عن ملالى طهران مدعين المقاومة لصوص الثورات أو عن نتنياهو وعصابته فجميعهم عملوا ويعملون فى خدمة الاستعمار ورجل البركات فى واشنطن اذا كان سوق تجار الدين مزدهر وحركة البيع والشراء تعمل بنشاط وتمتد الصفقات من الفاشية الإخوانية وفروعها الى عصابات نتنياهو ونجد دكاكين الملالي مزدحمة بالزبائن وكبير السوق فى واشنطن تتنزل على مكتبه البيضاوى النعمة والبركة وخصصت له باولا وايت ملائكة من إفريقيا لحمايته ..فلماذا اندلعت الحرب بين تجار السوق غير الشرفاء ؟
أولا لأنهم غير شرفاء ومخادعين فيما بينهم ..وثانيا لأن قواعد السوق تتبدل بل السوق نفسه يتغير فالجالس فى مكتبه البيضاوى المبارك فوق رأس الامبراطورية الأمريكية ومن جلسوا فى هذا المكتب سابقا وجدوا أن هناك تاجرا شرقيا قادما من بكين يقيم سوقا منافسا بل سوقا مختلفا تماما أول قواعده لا مرجعية فيه لرجل البركات ومكتبه البيضاوى .
فى النهاية التاجر القادم من بكين هو الآخر يبحث عن المكاسب ولو بالتعاون مع مخادعين من أمثال ملالى طهران الذين تنكروا لحلفهم السرى مع رجل البركات الأمريكى ووقع الملالى صفقة ومعاهدة مع تاجر بكين وانضموا للسوق الجديد سعيا وراء المكاسب.
الطريف أن تاجر بكين قبل 7 سنوات وقع نفس الصفقة مع نتنياهو وشركاه لكن سيد المكتب البيضاوى تدخل بحزم وعنف نتنياهو وعصابته ووصل الأمر لمقتل مندوب بكين فى الصفقة أو السفير الصينى فى تل أبيب .
لا يمكن لواشنطن فى هذا السوق الاستغناء عن محلات نتنياهو وشركاه رغم خداعهم لأن إسرائيل هى القاعدة الاستعمارية التى تعمل فى خدمة المشروع الاستعمارى الغربى بأكمله وليس الأمريكى فقط أما ملالى طهران فهم بيدق فى صراع رجل البركات الأمريكى ضد تاجر بكين وسوقه الجديد ولا مانع هنا أن يحرق البيدق حتى لايكون ذخيرة فى خزينة المنافس الصينى .
تبقت أيام .. فى اليوم الأخير من الشهر الجارى أو فى بداية أبريل القادم سيجلس رجل البركات الأمريكى مع التاجر الصينى وفى هذا الاجتماع إما يتفق الاثنان على تجاور السوقين القديم والجديد أو لا يقبلان ا هذا التجاور وهنا قد تتصاعد الأحداث فى حرب أخرى لن تحرق فيها البيادق بل ستحرق الرقعة بكاملها .
حتى الأحلام تتغير
محمد هاشم يكتب: الأمن الرقمي
أبــنــاء الشــعــب







