التوترات الإقليمية.. كيف ينعكس المشهد على الاقتصاد المصري؟

الحرب أمريكا ضد إيران
الحرب أمريكا ضد إيران


- مدحت الشريف: إغلاق مضيق هرمز فعليًا يهدد أسواق الطاقة العالمية

- أسعار النفط مرشحة للارتفاع إلى 120 دولارًا بسبب التصعيد العسكري

- مصر تمتلك فرصة اقتصادية كبيرة عبر خط سوميد وقناة السويس

- عزوف شركات التأمين عن الخليج يعطل حركة ناقلات النفط عالميًا

- ارتفاع أسعار الطاقة سيضغط على الاقتصاد المصري ويزيد التضخم

 

تتصاعد وتيرة الحرب بين الولايات المتحدة وأمريكا ضد إيران، وأصبحت تهدد استقرار الأمن في منطقة الشرق الأوسط، وتزايدت عمليات استهداف مصادر النفط وإغلاق مضيق هرمز، من خلال استهداف أي شاحنات تمر من خلاله، وهو ما أدى لعزوف شركات التأمين العالمية عن المجازفة بأي ناقلات أو سفن تمر من خلاله.

وقدم الخبير الاقتصادي والاستراتيجي، مدحت الشريف، رؤية نقدية وتحليلية عميقة للمشهد الراهن في المنطقة العربية، مفسراً التناقضات بين الأزمات العسكرية واستقرار العملات الدولية، وواضعاً خارطة طريق للتعامل مع تداعيات هذه الأزمات الجيوسياسية.

- إغلاق مضيق هرمز واختناق سلاسل التوريد

أكد الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي والأمن القومي، أن الصراع الراهن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تجاوز مرحلة التهديدات الكلامية إلى "حرب تكسير عظام" ميدانية، تستهدف بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة. موضحًا أن مضيق هرمز، ورغم عدم إغلاقه بقرار رسمي حتى الآن، إلا أنه يعتبر "مغلقاً فعلياً" نتيجة الهجمات التي يشنها الحرس الثوري الإيراني على ناقلات النفط، مما أدى إلى حالة من الذعر في الأسواق العالمية.

وأشار الشريف إلى أن أخطر تداعيات هذا التصعيد تكمن في "عزوف شركات التأمين العالمية" عن تغطية السفن والناقلات المارة عبر الخليج العربي والمناطق المتاخمة له في المحيط، وهو ما دفع شركات الملاحة الكبرى إلى وقف رحلاتها عبر هذا المسار الحيوي تجنباً للمخاطر العالية.

- الفرص الواعدة لمصر في قلب الأزمة

في ظل هذه الأزمة، لفت الدكتور الشريف إلى وجود "جانب مضيء" قد تستفيد منه الدولة المصرية اقتصادياً، موضحاً أن المملكة العربية السعودية بدأت بالفعل في تفعيل خطط بديلة لنقل نفطها من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر عبر أنابيب تمتد من الشرق إلى الغرب، ومن ثم شحنها عبر قناة السويس.

وفي هذا السياق، كشف الشريف عن الدور المحوري لخط أنابيب "سوميد" الذي يمتد من العين السخنة إلى ساحل البحر المتوسط، مؤكداً أن مصر قادرة على نقل كميات إضافية تتجاوز 2.5 مليون برميل نفط يومياً عبر هذا الخط. قائلاً "نحن نمتلك 50% من أسهم خط سوميد بالاشتراك مع دول عربية أخرى، واستخدام هذا المسار البديل سيحقق منفعة اقتصادية كبرى لمصر وللدول المصدرة، مما يحول الأزمة إلى فرصة لتعظيم العوائد من البنية التحتية المصرية للطاقة."

- النفط يتجه نحو 120 دولاراً

وحول مستقبل أسعار الوقود، جدد الشريف توقعاته التي أطلقها منذ بداية الصراع، مشيراً إلى أن أسعار النفط العالمية مرشحة للقفز لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار، وقد تصل إلى 120 دولاراً للبرميل.

وأوضح أن الولايات المتحدة حاولت تأمين موقفها مسبقاً من خلال السيطرة على موارد نفطية في فنزويلا وضخ أكثر من مليون برميل يومياً لضمان استقرار إمداداتها وإمداد حلفائها، بينما تحاول دول مجموعة السبع (G7) التدخل عبر سحب جزء من مخزوناتها الاستراتيجية لتهدئة الأسواق، إلا أن الشريف يرى أن هذه المحاولات لن يكون لها تأثير طويل الأمد في ظل استمرار القصف المتبادل الذي طال المصافي وخزانات النفط الخام.

- الانعكاس علي مصري وضغوط التضخم

انتقل الدكتور مدحت الشريف، لتحليل الأثر المباشر على المواطن المصري، مؤكداً أن مصر تتأثر بمسارين متوازيين:

أولا: الاستيراد بأسعار مرتفعة حيث  تعتمد مصر على استيراد كميات كبيرة من مصادر الطاقة "نفط وغاز" من دول الخليج ومن الخارج، وارتفاع السعر العالمي يفرض حتمية زيادة الأسعار محلياً.

ثانيا: تواجه أزمة العملة والسيولة، ويرى الشريف أن الأزمة تتفاقم بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، نتيجة انسحاب ما يعرف بـ "الأموال الساخنة" من الأسواق الناشئة ومنها مصر بحثاً عن ملاذات آمنة. محذراً من أن هذه العوامل ستؤدي بالضرورة إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الضغوط المعيشية، خاصة على الفئات الأكثر احتياجاً التي عانت خلال السنوات الأخيرة من موجات غلاء متتالية، مشدداً على ضرورة الإدارة الحصيفة لموارد الطاقة والفرص اللوجستية المتاحة لتخفيف حدة هذه الصدمات الاقتصادية.
 
- سيكولوجية "عملة الحرب" وسر صمود الدولار

يرى الشريف أن التساؤلات حول عدم انخفاض قيمة العملة الأمريكية رغم تورط واشنطن في صراعات إقليمية تجد إجابتها في "سياسة تصدير التكلفة". ويوضح أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس ترامب، أعلنت صراحة عن تحميل دول الخليج تكلفة الحماية العسكرية في غضون ساعات قليلة من اندلاع الأزمات.

ويكشف الشريف عن وجود "حملة عمليات نفسية"ممنهجة سبقت الصراع مع إيران، هدفت إلى استفزاز الجانب الإيراني لاستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج، وذلك لإجبار دول المنطقة على البقاء في "خندق واحد" مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويشير التقرير إلى أن المنظومات الدفاعية الأمريكية في المنطقة ركزت بشكل أساسي على حماية إسرائيل، بينما تظل قدرات الحماية الممنوحة لدول الخليج محدودة، مما يجعل الأخيرة هي الممول الفعلي لتكلفة الحرب والداعم لاستقرار الاقتصاد الأمريكي عبر ضخ الأموال التي تخفف الأعباء عن واشنطن وتدعم تل أبيب في آن واحد.

- تداعيات أزمة الطاقة وموقف السوق المصري

أكد الشريف أن استمرار الأزمة سيؤدي حتماً إلى موجات صعود جديدة في أسعار النفط العالمية، محذراً من أن لجوء دول "مجموعة السبع" إلى استخدام المخزونات الاستراتيجية لن يكون له سوى تأثير وقتي ومحدود. وفيما يخص الشأن المحلي، يرى الشريف أن ارتفاع أسعار الوقود في مصر بات أمراً لا مفر منه عالمياً، لكنه يشدد على ضرورة وجود حزمة إجراءات حكومية موازية:

- دعم الفئات الأكثر احتياجاًعبر من خلال  آليات مباشرة وحاسمة مثل "تكافل وكرامة" وبطاقات التموين، لضمان الأمن والسلام المجتمعي.

- خطة تقشف حكومي حقيقية بتقديم نموذج تقشفي واقعي وملموس، ليكون بمثابة تضامن حقيقي مع المواطن.

- إبرام عقد ملزم مع المواطن يتمثل في إلزام الحكومة قانوناً بخفض الأسعار فور تراجعها عالمياً، منتقداً أداء "لجنة تسعير الوقود" التي نادراً ما أقرت خفضاً ملموساً يتناسب مع تراجع الأسعار العالمية في فترات سابقة.

- مصر ملاذ آمن للأموال والاستثمار

يؤكد استشاري الأمن القومي، أن مصر تمتلك فرصة ذهبية لتكون "الملاذ الآمن" للأموال الهاربة من مناطق النزاع. وتتخلص خطته في:

1. جذب الاستثمارات والشخصيات المؤثرة، ووضع خطة عاجلة لاستيعاب رؤوس الأموال الإقليمية والدولية الباحثة عن الاستقرار، وتوجيهها نحو استثمارات مباشرة ومشروعات إنتاجية لا مجرد بيع للأراضي.

2. تعظيم القيمة المضافة للبترول من خلال استغلال مصافي التكرير المصرية لتكرير النفط الخام الخليجي "السعودي تحديداً" وتحويله لمنتجات، مما يضمن استمرار تدفق الإمدادات في ظل التوترات.

3. الربط اللوجستي الفريد، مع بدء تأثر مخزونات السلع الاستهلاكية في دول مثل الإمارات والكويت والبحرين، يقترح الشريف استغلال الموانئ المصرية على البحر المتوسط لاستقبال الإمدادات، ثم نقلها برياً عبر شاحنات إلى موانئ البحر الأحمر المؤمنة (مثل ميناء سفاجا)، ومنها عبر العبارات إلى دول الخليج، متجاوزين بذلك الممرات المائية المهددة.

وشدد مدحت الشريف على أن الموقع الجيوسياسي لمصر هو أداتها الأقوى في الأزمة، وأن استغلال خطوط النقل مثل "خط سوميد" ليس فقط لتحقيق مكاسب مادية، بل للحصول على إمدادات طاقة بأسعار تفضيلية عبر اتفاقيات استراتيجية مع الشركاء، مما يخفف حدة الأزمة الاقتصادية على الدولة والمواطن معاً.