من المظاهر الإيجابية اللافتة فى موسم دراما رمضان هذا العام، عودة الفنان طارق دسوقى إلى الشاشة الصغيرة بعد غياب امتد لسنوات طويلة، من خلال مسلسل «على كلاى»، هذه العودة لا يمكن اعتبارها مشاركة عابرة، بل هى عودة محمّلة بالدلالة، تؤكد أن بعض الفنانين لا يغيبون لأنهم انتهوا، بل لأن الزمن نفسه احتاج أن يلحق برؤيتهم.
طارق دسوقى لم يكن يومًا فنان الصدفة أو الحضور الموسمى، غيابه عن الدراما التليفزيونية لم يكن انسحابًا بقدر ما كان موقفًا واعيًا، نابعًا من رفضه الانخراط فى أعمال لا تعبّر عن قناعته الجمالية والفكرية، لأنه ينتمى إلى جيل آمن بأن الدراما وسيلة للوعى قبل أن تكون وسيلة للانتشار، وأن الفنان الحقيقى لا يساوم على أدواته أو رسالته.
ومن يعرف طارق دسوقى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، يدرك أنه كان فى مرحلة مهمة أحد نجوم قطاع الإنتاج فى التليفزيون المصرى، وامتلك آنذاك جماهيرية حقيقية قائمة على الاحترام لا الضجيج، لذلك جاء الغياب نتيجة طبيعية لتحولات الدراما، لا دليلًا على تراجع القدرة أو الحضور.
اختيار شخصية «منصور الجوهرى» فى «على كلاى» يبدو كأنه الدور الذى انتظر دسوقى أن يعود من خلاله، منصور ليس بطلًا تقليديًا، بل نموذج درامى مركب لرجل تشكّل وعيه داخل السوق الشعبى، حيث تحكم العلاقات غير المكتوبة مسارات القوة والنفوذ، كبير تجار سوق التوفيقية، ليس مجرد تاجر، بل صاحب سلطة معنوية ناعمة، تستند إلى الخبرة والتاريخ والسمعة.
تتحرك الشخصية فى منطقة رمادية ثرية، ويتجلى ذلك فى علاقته بأسرته وابنه بالتبنى، حيث يختلط الإحساس الحقيقى بالمسئولية بخوف دفين من فقدان السيطرة أو انكسار الصورة الأبوية، لا يقدّم دسوقى نموذج الأب المثالى، بل رجلًا يحاول الموازنة بين السلطة والحب، وبين الحماية والخسارة المحتملة.
أدائيًا، يبرهن طارق دسوقى من خلال هذا الدور على أن الأداء الهادئ القائم على الإحساس الصادق لايزال الأكثر تأثيرًا فى وجدان المشاهد، يعتمد على نبرة صوت منخفضة لكنها حاسمة، ونظرات طويلة، وإيقاع بطيء يعكس ثقة رجل لا يحتاج إلى إثبات نفسه، هذا الأسلوب يمنح الشخصية ثقلًا واقعيًا، ويجنبها الوقوع فى فخ كليشيه «المعلم الصارخ».
العودة القوية فى «على كلاى» تفتح سؤال الغياب، والإجابة لا تكمن فى قلة العروض، بل فى طبيعة ما عُرض، وغيابه كان فى جوهره احتجاجًا صامتًا، وعندما وجد نصًا يليق بتاريخه، عاد دون ضجيج، لكنه عاد مؤثرًا، مؤكدًا أن الغياب أحيانًا يكون حفاظًا على القيمة، لا انسحابًا منها.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







