■■ ها هو رمضان قد هلَّ، وتمضى أيامه بوتيرة متسارعة عن غيره من الأيام، نسأل الله أن يعيننا على صيام نهاره وقيام ليله. لكن، لماذا نكتفى بالصيام الجسدى ونغفل عن صيام أعمق وأشد ضرورة؟ صيام لا يكون عن الطعام والشراب فحسب، بل عن كل ما يُمرض الروح ويفسد حياتنا.
أتمنى أن يكون صيامنا مختلفاً، أتمنى أن نصوم عن الإحباط الذى يأكل قلوبنا كالسوس، وعن هواية تصديق الأكاذيب والتشكيك فى الحقائق، حتى بتنا نصدق اتهامات بلا دليل، ولا نصدق براءة إلا بعد فوات الأوان! أىّ داء أصاب بوصلتنا الأخلاقية؟ وأتمنى أن نجبر ما انقطع من الأرحام، فما أتفه الأسباب أمام عظمة الدم الواحد!
أدعوكم ونفسى إلى تجربة فريدة.. أن نصوم عن عادة الهدم المزمنة، ونشتاق إلى البناء بشغف المحب، أن نكفَّ عن توزيع اللعنات، ونتذوق جمال الأمل فى بكرة.. نتوقف عن تحويل الأشخاص بين قداسة وشيطنة لمجرد تغير الأهواء، وألا نشغل أنفسنا بالمعارك الجانبية الصغيرة، فننسى معاركنا الكبرى لبناء المستقبل.
أتمنى أن نصوم عن الأنانية المقيتة، فنفكر للكل قبل الذات.. ننصت لصوت الضمير، فنرفع الظلم ونساند المغلوب، أن نكف عن خلق أعداء وهميين، فالمجتمع كالسفينة، إما أن ننجو جميعاً أو نغرق جميعاً.
أتمنى أن يمتد صيامنا لنحارب فيه قلة العمل وقلة الضمير، والمحسوبية التى قتلت الإبداع، والظلم والتدليس وإطلاق الاتهامات جزافاً، وأن نكف عن استغلال بعضنا البعض: تاجر يحتكر، ومدرس يستغل أولياء الأمور، وطبيب يتاجر بآلام المرضى، ومهندس يتغاضى عن المعايير، ومحامٍ يتاجر بالقضايا، واستشرت الرشوة فى كل موقع حتى صار الكل يسعى إلى قنص ما تطوله يده، بحجة أن «الجميع يفعلونها»!
ومع ذلك، فلننظر بعين الإنصاف، ففى كل مهنة نماذج مشرقة من الشرفاء، من تجار أمناء، وأطباء، ومهندسين، ومدرسين، وغيرهم يتقون الله فى عملهم، ويرفضون الإغراء، أولئك هم القدوة، وهم الأمل الذى نستضىء به.
فهل يمكن أن نتوقف كلنا عند أنفسنا؟ أن يضع كل منا نفسه مكان الآخر، فيفعل ما يتمناه لنفسه مع غيره؟ وأن يتقى كل صاحب كلمة الله فيما يكتب أو يقول، فالكلمة أمانة والمسئولية عظيمة؟
فلنصم هذا الصيام، صيام الجوارح عن الآثام، والقلوب عن الأحقاد، والعقول عن الأوهام. فلعلنا نخرج بأرواح جديدة تليق بنا وبالشهر الفضيل.
رمضان كريم، وصياماً مقبولاً... بكل المعانى.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







