اختلف المشهد برمته، ففى قمة السلام فى أكتوبر الماضى فى شرم الشيخ، كان من الصعب على مصر الدولة المضيفة، أن يتم استثناء الرئيس الفلسطينى محمود عباس من المشاركة ،مع أكثر من ٢٠ قادة دول العالم ، باعتبار السلطة هى الممثل الوحيد للشعب الفلسطينى ، بل كانت فرصة للقاء سريع مع الرئيس ترامب ، هى الأولى منذ عودته الى البيت الابيض فى دورة رئاسته الثانية، وعلى نفس المستوى كان من المستحيل القبول بحضور بنيامين نتانياهو هذا المحفل الدولى المهم ، يومها صمدت القاهرة أمام ضغوط قوية للسماح له بالمشاركة ، وتدخلات وإلحاح ترامب وكان عائدا من زيارة لتل ابيب، ساعدها فى ذلك أن دول مهمة محورية، لوحت بالغياب فى حالة حضوره، خاصة وانه المسؤول الأول على الجرائم وحرب الإبادة فى حق الشعب الفلسطينى منذ أكتوبر قبل الماضي.
واختلف المشهد تماما يوم الخميس الماضي، الذى شهد الاجتماع الأول لمجلس السلام العالمى، الذى استضافه معهد ترامب للسلام، حيث حضرت إسرائيل التى تمارس أقصى درجات الاجرام، ومثلها وزير الخارجية جدعون ساعر نيابة عن نتنياهو ،المطلوب والملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية ، بتهمة الابادة الجماعية ،وعلى نفس المستوى شهد الاجتماع تغييبًا مثيرًا للدهشة للسلطة الوطنية الفلسطينية، والاكتفاء بتواجد الدكتور على شعت رئيس لجنة إدارة غزة ، حيث لم يتم الاشارة الى هويته، أو التعريف به ممثلًا لفلسطين ،كما هو الحال مع الحاضرين ،وجرى التعامل معه بصوره هامشية، وتفادى المنظمون وضع علم دولة فلسطين أمامه، فى اشارة لتحويل غزة من قضية سياسية، ذات حقوق وطنية الى ملف إدراى اقتصادى، خاصة وان اللجنة. تتشكل من مجموعة من التكنوقراط، ليس لهم انتماءات سياسية، ولم يكن الوضع مريحًا، أو حتى مقبولًا، من دول عربية وإقليمية محورية سعت الى معالجة الأمور، ولو بشكلٍ جزئي، حيث تمت الموافقة على انشاء لجنة تنسيق بين السلطة، ويمثلها رئيس الوزراء محمد مصطفي، والمجلس التنفيذى ويمثله رئيسه المبعوث الاميركى الخاص نيكولاى ملادينوف ، وهذا يعنى ايضًا ان التنسيق بين الطرفين يتعلق بالأمور الإدارية، وليس كشريك سياسى .
والغريب ما يتردد وفقًا للعديد من التقارير أن مشاركة إسرائيل فى المجلس
كانت بضغوط أمريكية، لفك الحصار الدولى عليها، ومن جهة أخرى وفقًا للتصور الأمريكى، ترويضها لمنع تملصها من الالتزامات الواجبة فى ملف غزة، بينما قبلت تل ابيب بالمشاركة، ارضاء للرئيس ترامب وتفادى غضبه، خاصة وان تل ابيب سعيدة ايما سعادة، بالفصل الأمريكى بين ملفى الضفة وغزة، وسياسات واشنطن تجاه الأخيرة لا يختلف مع توجهاتها ومطالبها وشروطها، مع مخطط من تل ابيب واضح لا تخطئه العين، بتفريغ دور المجلس من أى مضمون، ومنع صدور أى قرارات لا ترضى عنها، ومثل هذا نقطة ضعف، ومأخذ كبير على الجهد الأمريكى بهذا الخصوص، وخصما من مصداقية عمل المجلس، خاصة ان مندوب نتنياهو استخدم منصة المجلس ، لنشر وترويج مجموعة من الأكاذيب، حيث وصف الدولة الفلسطينة بأنها إرهابية ، وفى محاولة لنفى وتغييب وجود أصحاب الأرض، تحدث عن وجود اليهود منذ ٣٠٠٠ عاما، باعتبارهم السكان الأصليين، وقال( جعل النبى سليمان القدس عاصمتنا )،(حتى فى فترة النفى الطويلة، لم ينقطع وجودنا ليوم واحد)، وتحدث عن (قوى مختلفة تحاول استبدال وتغيير تلك الحقيقة ) واعتبر أن الوجود اليهودى لاينتهك القانون الدولى ، وهو نفس ماتكرر بصورة آخري، من حديث مايكل هيركابى سفير واشنطن فى تل ابيب، فى المقابلة الشهيرة مع الاعلامى الاميركى الشهير تاكر كارلسون، التى اثارت جدلا واسعا مؤخرا عندما تحدث عن أن سفر التكوين ١٥ فى التلمود ،أعطى لإسرائيل وعدا بالأراضى من النيل للفرات
والتى تشمل دول واجزاء من دول فى المنطقة ، حدودها مستقرة عبر التاريخ قال نصا ( لا بأس إذا استولت إسرائيل على كل شيءٍ) ووافق من حيث المبدأ على هذه الفرضية، مستندا على قناعة دينية ،بأن الله منح الأرض للشعب اليهودي، وخطورة هذه التصريحات تأتى من دبلوماسى كبير ، يعبر عن تيار واسع داخل الدائرة المحيطة بالرئيس ، ناهيك عن اللوبى اليهودى فى أمريكا ،وسبقهم( كبيرهم الذى علمهم السحر) نتيناهو فى اغسطس الماضى عندما أعلن تمسكه برؤية إسرائيل الكبرى واعتبر نفسه انه فى مهمة تاريخية روحية، باستعادة كل الأراضى الموجودة فى كتبهم المحرفة .
ودعونا نتفق على حقيقة مهمة ، ان إسرائيل عضو مجلس السلام العالمى، وراء حالة عدم الاستقرار فى المنطقة ، وممارساتها الاجرامية مستمرة على أكثر من صعيد، منها نتائج العدوان على قطاع غزة ، والأرقام لاتكذب ولا تتجمل حيث تشير أحد احصائيات الأمم المتحدة، ان الجيش الإسرائيلى ألقى ٢٠٠ ألف طن من المتفجرات خلال عامين، ونتج عنه استشهاد ٧٢ ألف ،ومثلهم من الجرحى ومازال الآلاف ايضا مفقودين تحت الانقاض، ومعاناة ٥١٤ الف شخص من الجوع الحاد ،وتضرر ١٩٣ الف مبنى، مع انهيار كامل للاقتصاد فى القطاع،
وامتد الاجرام ليشمل كل المناطق المحتلة ،بالسعى الى تقويض أى جهد باتجاه حل الدولتين، من خلال سلسلة القرارات الأخيرة، التى توسع من السيطرة الأسرائيلية غير القانونية على الضفة الغربية، وتشمل تسارعا واسعا وغير مسبوق فى عمليات الاستيطان ، يضاف الى ذلك محاولة خنق السلطة الوطنية الفلسطينية ماليا ، باحتجاز حوالى ٤ مليارات دولار من أموال المقاصة والتى تعود الى السلطة ، وترفض تحويل أى أموال لها، بل يهدد وزير المالية سموتريتش من مصادرة هذه الأموال بالكامل ، وكان هذا وراء معاناة غير مسبوقة للسلطة العاجزة عن القيام بواجباتها تجاه الفلسطنين
وبعد، فإننى اشك فى استمرار الأوضاع فى المنطقة على هذا الحال ، فروح المقاومة ستظل حية ، طالما استمر الاحتلال ، والاجرام والتغطرس ، ولن ينفع إسرائيل حديث نتنياهو ، عن تحالف سداسى ضد من أسماهم- كذبا وزورا- محور( شيعي) متشدد ، وآخر (سنى) متصاعد.

عمران المدن الجديدة استراتيجية واجبة
عودة الروح لشوارع القاهرة
دبلوماسية الموقف المشترك







