رحلة تحول من السجن إلى منبر الدعوة

الشيخ حليم الأمريكى: بحثتُ لأُكذّب الإسلام.. فآمنتُ به

الشيخ حليم الأمريكى مع مدير تحرير الأخبار
الشيخ حليم الأمريكى مع مدير تحرير الأخبار


فى قلب مفارقة إنسانية لافتة، يروى الشيخ حليم الأمريكى رحلته من عالم الجريمة والسجن إلى رحاب الإيمان والدعوة، مؤكدًا أن الإسلام لم يكن بالنسبة له ملجأً نفسيًا عابرًا، بل طريق أخلاقى متكامل أعاد تشكيل حياته من جذورها.
يقول الشيخ حليم إن نقطة التحول جاءت عام 1996 داخل السجن، حين دخل فى نقاش مع سجين مسلم حول ما كان يظنه «بطلان الإسلام»، دفعه الجدل إلى استعارة كتب من مكتبة السجن بهدف دحض الإسلام، لكنه فوجئ بأنه لا يجد ما يثبت تصوّراته السابقة، ومع تعمقه فى القراءة تحولت محاولة التفنيد إلى تساؤل صادق: لماذا لا أجد أخطاء؟ وهنا أدرك أن عليه أن يختار بين قبول ما تبين له أنه حق، أو رفضه بدافع الكِبر، وفى أبريل من العام نفسه أعلن إسلامه.
عند خروجه، واجه تحديات اجتماعية وأسرية، إذ لم يُخبر أحدًا بإسلامه فى البداية خشية ألا يثبت فى «العالم الحقيقى»، وكانت من أبرز الصور النمطية التى واجهها أن الإسلام دين خاص بالسود فى أمريكا وليس للبيض مثله. ورغم الجهل المنتشر آنذاك، لاحظ كثيرون تغيره الحقيقى، وهو ما خفف حدة الرفض. ويؤكد أن مسئولية المسلمين اليوم ليست فقط شرح الإسلام بالكلمات، بل تجسيده سلوكًا.
وعن أسرته، يوضح أن والدته رحبت بالتغيير لأنه «أبعده عن المتاعب»، لكنها اعتقدت أنه مجرد مرحلة عابرة، أما علاقاته الاجتماعية، فانقطع بعضها لا بسبب عداء، بل لاختلاف المسار، ويعترف أنه كان متحمسًا بشدة فى سنواته الأولى، ما أدى إلى فتور بعض الصداقات، لكنه يعتبر ذلك فرصة لتمييز الحقيقى منها.
إسلامه كان نقطة تحول حاسمة فى حياته الأسرية، فقد تزوج من شريكة حياته السابقة، وسعى للحصول على حضانة طفليه وربّاهما على الدين، وبعد ثلاثة أشهر من زواجهما أسلمت زوجته، ويؤكد أن دعمها كان حجر الأساس فى استقراره، على مدار نحو ثلاثين عامًا من الزواج، أنجبا سبعة أبناء، وربّيا تسعة فى المجموع، ويقول إن زوجته وقفت إلى جانبه فى أصعب الظروف، حتى إنها موّلت أول سيارة له وأول رحلتين لطلب العلم، مؤكدًا أن فضلها عليه بعد فضل الله لا يُقدّر بثمن.
علميًا، بدأ رحلته ضمن المنهج السلفى المنتشر فى السجون الأمريكية، لكنه مع الدراسة المتعمقة على يد شيوخ متخصصين انتقل إلى دراسة الفقه الشافعى سنوات طويلة، ثم استقر على دراسة المذهب المالكى بتوجيه من شيوخه. ويشدد على قناعة راسخة لديه: «اختر شيخك، لا مذهبك»، معتبرًا أن المسألة ليست تفضيلًا عاطفيًا، بل مسار علمى قاده إليه التعلم المنهجى.
وعن هويته، يؤكد أنه لا يرى تعارضًا بين كونه أمريكيًا ومسلمًا، بل يرى أن روح الهوية الأمريكية - القائمة على مركزية الإيمان والأسرة والمسئولية - يمكن أن تتناغم مع القيم الإسلامية، ويقول إنه أحيانًا يتحسر لأن بعض مبادئ العدالة والنظام فى أمريكا تبدو أقرب إلى روح الإسلام من واقع بعض المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، ويستند فى موقفه إلى قاعدة: «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق»، معتبرًا أن تقديم طاعة الله يحسم أى تعارض محتمل.
فى عمله الدعوى، يواجه أحيانًا نظرة بعض المهاجرين الذين يرون أن المسلم الجديد يظل جديدًا دائمًا، مما يثير تساؤلات حول أهليته، كما يلمس أحيانًا حساسية عرقية من بعض الأطراف، لكنه يرى فى ذلك فرصة لبناء جسور، لأن عدم انتمائه لعرق أو ثقافة بعينها يمنحه مساحة للتواصل مع الجميع، ويؤكد أن الإسلام رسالة عالمية، لا يملكها شعب دون آخر.
أما عن تبسيط المفاهيم الإسلامية، فيوضح أن كثيرًا منها له مقابل فى اللغة الإنجليزية، وما لا مقابل له يُشرح بتأنٍ حتى يألفه السامع، ويستشهد بوصية النبى : «يسّروا ولا تعسّروا»، معتبرًا أن التيسير هو مفتاح البلاغ فى السياق الغربى.
وفى رسالته للمسلمين الجدد، يقدّم عدة نصائح أساسية: أولًا، عدم ربط الإسلام بمشاريع سياسية أو اقتصادية، فالله هو الغاية والدين هو الطريق، ثانيًا، لا حاجة لتغيير الاسم أو تبنى ثقافة أخرى ما لم يكن فى الاسم معنى يناقض العقيدة، فالإسلام لا يلغى الهويات بل يهذبها. كما يحذر من المثالية الزائدة فى توقع صورة مثالية للمجتمع المسلم، مؤكدًا أن بناء المجتمع مسئولية جماعية تحتاج إلى عمل طويل النفس.
ويختتم بالتأكيد أن الطريق ليس سهلًا، لكن الهداية فضل من الله وحده، وأن على المسلمين - خاصة فى الغرب - أن يعملوا لبناء مؤسسات قوية تحفظ الدين للأجيال المقبلة.