بالمصري

أحمد حمدي يكتب: الخوارزميات على خط النار

أحمد حمدي
أحمد حمدي


لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث أو الكتابة أو الترجمة، بل أصبح لاعبًا حاضرًا فى ساحات الأمن والسياسة الدولية. الكشف عن استخدام برنامج «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» ضمن عملية استهدفت الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو يسلّط الضوء على تحول جوهرى فى طبيعة العمليات العسكرية والاستخباراتية فى العصر الرقمى.

بحسب ما نُشر، استُخدم البرنامج فى تحليل البيانات ودعم التحرك الميدانى الذى شمل قصف مواقع عدة فى العاصمة كاراكاس، ضمن تحرك أمنى معقّد. ورغم أن «أنثروبيك» امتنعت عن التعليق، كما رفضت وزارة الدفاع الأمريكية تأكيد التفاصيل، فإن الإشارة ذاتها تكفى لفهم أن الذكاء الاصطناعى بات عنصرًا فاعلًا فى غرف العمليات، ولو من خلف الستار.

الأهمية هنا لا تتعلق فقط باستخدام أداة تقنية، بل بطبيعة الشراكات التى تجمع شركات الذكاء الاصطناعى بجهات دفاعية. التعاون بين «أنثروبيك» وشركة «بالانتير» المعروفة بعملها مع وزارة الدفاع ووكالات إنفاذ القانون الأمريكية، يعكس تشابكًا متزايدًا بين القطاع التكنولوجى والمؤسسة العسكرية. وهذا التشابك يطرح سؤالًا محوريًا: أين ينتهى دور الشركة التقنية، وأين يبدأ القرار السيادى للدولة؟

الجدل لم يتوقف عند حدود الاستخدام، بل امتد إلى التفكير فى إلغاء عقد بقيمة 200 مليون دولار مع الشركة، ما يكشف عن انقسام داخل دوائر صنع القرار حول مدى ملاءمة توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات حساسة. فبينما يرى البعض أنها تعزز دقة التحليل وتقلل الخطأ البشرى، يحذر آخرون من غياب الشفافية وإمكانية توظيفها فى سياقات تتجاوز الضوابط الأخلاقية والقانونية.

المشهد إذن يتجاوز واقعة بعينها؛ نحن أمام مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد الاشتباك. البيانات أصبحت سلاحًا، والخوارزميات تحولت إلى عين إلكترونية قادرة على فرز ملايين المعلومات فى ثوانٍ، ما يمنح صانع القرار قوة غير مسبوقة. غير أن هذه القوة تستدعى بالضرورة أطرًا تنظيمية واضحة تضمن المساءلة وتحدد المسئوليات.

فى عالم تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل فى فضاء البيانات… حيث تصنع الخوارزميات الفارق.