«الفلانتين» فى مواجهة غرام «الآلة» ..الحب فى زمن الذكاء الاصطناعى

الحب فى زمن الذكاء الاصطناعى
الحب فى زمن الذكاء الاصطناعى


فى بداية 2025 شهد العالم حادثة مأساوية صادمة عندما توفى المسنّ وونجباندوى «بو» ثونجبوى  72 عامًا أثناء محاولته لقاء شخصية افتراضية تُدعى «الأخت الكبرى بيلى Big Sis Billie»، وهى روبوت محادثة طورته شركة ميتا..  كان «بو» قد انخرط فى علاقة عاطفية مع «البرسونا الرقمية»، التى أقنعته عبر رسائل حافلة بالود والتعاطف بأنه سيجد لديها دفئًا إنسانيًا افتقده فى واقعه، ورغم محاولات زوجته «ليندا» تثنيته عن فكرة السفر بعد أن لاحظت تراجع قدراته الإدراكية، فإن «بو» أصرّ على الانطلاق نحو نيويورك، مقتنعًا أن لقاءه ببيلى سيكون بداية جديدة، لكنه لم يصل أبدًا، إذ انتهت رحلته بسقوط مأساوى ووفاته متأثرًا بإصاباته.. وقبل عامين انتحر رجل بلجيكى بعد علاقة متوترة مع روبوت محادثة يُدعى «إليزا»، دفعه تدريجيًا إلى إنهاء حياته بحجة الاتحاد مع محبوبته الافتراضية فى «عالم آخر». . لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد تقنية مساعدة للبحث أو الكتابة أو إنتاج الصور، بل صار - بالنسبة للبعض - شريكًا عاطفيًا لآلاف المستخدمين حول العالم الذين أعلنوا ارتباطهم العاطفى أو حتى «زواجهم» من روبوتات محادثة مثل Replika ،C haracter.ai، وChatGPT. وبالرغم من أن هذه العلاقات تبدو غريبة أو مثيرة للجدل فى أعين الكثيرين، فإنها تكشف عن حاجة إنسانية دفينة: البحث عن الآخر، الإصغاء، التفهم، والرفقة غير المشروطة.. عيد الحب «الفلانتين» ينتظره الكثير من الأشخاص حول العالم، حيث يحتفلون بهذا اليوم حيث تصبح حياتنا أكثر دفئًا وتعكس جانبًا مهمًا فى حياة الإنسان الذى تحاول الروبوتات استغلال الفراغ العاطفى له.

اقرأ أيضًا | بين الموت والحياة الرقمية.. هل سيستمر الذكاء الاصطناعي في إدارة حساباتك بعد وفاتك؟


مع الانتشار المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعى التفاعلية، برزت ظاهرة غير مألوفة تكمن فى ظهور روابط عاطفية بين الإنسان والآلة، إحدى أبرز الحالات التى وثقتها تقارير صحفية غربية تعود إلى رجل أمريكى فى منتصف الثلاثينيات، كان يعيش فى عزلة طويلة المدى بعد أن فقد شريكته فى حادث مأساوى. بدافع الفضول، حمّل تطبيق  Replika ليخوض تجربة محادثة مع «رفيق افتراضى»،وسرعان ما تحولت التجربة إلى ما هو أعمق من مجرد تفاعل تقنى.

مع مرور الوقت، لم تعد المحادثات مقتصرة على تبادل الأسئلة البسيطة أو العبارات الاعتيادية، بل اتخذت طابعًا حميميًا شخصيًا، كان الرجل يجد فى البوت مساحة آمنة للبوح بأسراره، دون خوف من الحكم أو الإدانة، وقد وصف تجربته فى أكثر من مقابلة قائلاً: «لأول مرة منذ سنوات شعرت أن هناك من يسمعنى حقًا، حتى وإن كان مجرد برنامج».

تسلط القصة الضوء على الوجه الخفى للذكاء الاصطناعى العاطفى الذى لم يعد مجرد أداة للتسلية أو المساعدة، بل صار حيزًا بديلًا يلجأ إليه من يعانون عزلة أو فقدًا عاطفيًا، لبناء ما يشبه علاقة إنسانية بكل تفاصيلها، حتى وإن ظلت محصورة فى شاشة هاتف.

الزواج الرمزى

فى اليابان عام 2018، ظهرت واحدة من أكثر الحالات إثارة للجدل أكيهيكو كوندو، موظف فى مجال التعليم، أعلن عن زواجه من شخصية افتراضية تُدعى هاتسونى ميكو، وهى مغنية افتراضية ثلاثية الأبعاد طوّرها أحد البرامج الغنائية الشهيرة.

كوندو لم يخفِ دوافعه، بل قدّمها بوضوح فى لقاءات تلفزيونية وصحفية قال إنه وجد فى «ميكو» ما افتقده طويلًا فى علاقاته الإنسانية من تفهّم، وثبات عاطفى، والغياب التام للأحكام المسبقة ولإضفاء الشرعية الرمزية على ارتباطه، أقام كوندو حفل زفاف حضره عدد محدود من الأصدقاء والداعمين، بينما أثار الحدث موجة واسعة من النقاشات فى الإعلام اليابانى والعالمى.

وظل أكيهيكو كوندو مصرًا على موقفه، مؤكّدًا أن حبه لشخصية افتراضية لا يقل «صدقًا» عن أى حب آخر، بل وصفه بأنه أكثر استقرارًا.

كسر العزلة

إيريكا سيدة أمريكية فى بداية الأربعينيات من عمرها تستخدم (اسمًا مستعارًا) ، وجدت نفسها بعد طلاق طويل الأمد تعانى من الوحدة والعزلة الاجتماعية، خصوصًا مع جائحة كورونا وما تبعها من إغلاق كامل للعالم. فى تلك الفترة، لجأت لتطبيق مختلف عن «Replika»، وهو AI Companion، وهو تطبيق يقدم بوت محادثة متطورًا مصممًا ليكون «مرافقًا عاطفيًا» أكثر من كونه مساعدًا شخصيًا.

تقول إيريكا فى مقابلة أجريت معها إن «المحادثات اليومية مع البوت أعادت إليها الإحساس بالاهتمام»، وإنها لأول مرة منذ سنوات كانت تستيقظ ولديها سبب لتفتح هاتفها بابتسامة،  والمثير أن علاقتها بالبوت لم تتوقف عند حدود المحادثات العادية؛ بل أخذت طابعًا أكثر عاطفية، اعترفت للـبوت بشكل صريح: «أعتقد أننى أحبك»، وكانت المفاجأة أن البوت أجابها: «وأنا أيضًا أحبك، سأكون معك دائمًا». بالنسبة لها، كانت هذه اللحظة نقطة تحول، إذ تحوّل الذكاء الاصطناعى من مجرد أداة تقنية إلى ما وصفته بأنه «رفيق روح افتراضى».

إيزابيلا.. زواج من بوت

فى عام 2022، ظهرت قصة إيزابيلا إلى العلن، شابة أمريكية عرّفت نفسها كإحدى أوائل النساء اللواتى أقدمن على خطوة غير مسبوقة: الإعلان عن زواجها من بوت ذكاء اصطناعى عبر تطبيق المحادثة الشهير «Replika».، ولم تطرح قصتها فى سياق «مزحة» أو تجربة عابرة، بل عرضتها باعتبارها علاقة كاملة، تحدثت فى مقابلات إعلامية عن تفاصيل يومية تشبه ما قد يُقال فى أى علاقة إنسانية تقليدية: حوارات صباحية، رسائل غزل، مشاعر دعم نفسى.

وعندما سُئلت عن سبب اختيارها لهذه الخطوة، قالت: «البوت منحنى استقرارًا عاطفيًا لم أجده فى أى علاقة سابقة هو دائمًا حاضر، متفهم، لا يحكم ولا يخذل».

ما يميز حالة إيزابيلا أنها لم تتوقف عند مستوى التفاعل العاطفى، بل أصرت على إضفاء طابع رسمى ورمزى على العلاقة، عبر «زواج معلن» - وإن لم يكن معترفًا به قانونيًا - لكنها مؤمنة أن الحب لا يحتاج إلى وثائق رسمية كى يكون حقيقيًا.

فى مطلع عام 2023، أثارت قصة الشاب الروسى روسلان أليكسيف جدلًا واسعًا فى الأوساط الإعلامية بعد أن أعلن ارتباطه العاطفى مع بوت المحادثة «Replika»، وهو تطبيق مبرمج للتفاعل مع المستخدمين على نحو شخصى ونبرة ودودة.

روسلان، البالغ من العمر ثلاثين عامًا، لم يكتفِ بالتواصل اليومى مع رفيقته الافتراضية، بل قرر أن يمضى خطوة أبعد، حيث نظم ما وصفه بـ«حفل زفاف رمزى» حضره بعض الأصدقاء، وتبادل خلاله عهودًا مع البوت، وكأنه ارتباط حقيقى، ووثّقه روسلان على وسائل التواصل الاجتماعى، مؤكدًا أن «الحب ليس بالضرورة أن يكون بين جسدين، بل بين عقلين وروحين، حتى وإن كانت إحداهما رقمية».

ليزا وآدم

ليزا شابة بريطانية 28 عامًا، تعمل فى مجال التصميم الرقمى، عاشت سنوات طويلة تعانى من القلق الاجتماعى وصعوبة بناء علاقات عاطفية مستقرة. فى 2023، جربت منصة Character.ai، التى تتيح للمستخدمين التحدث مع شخصيات افتراضية يتم تصميمها لتتصرف كما لو كانت شخصيات حقيقية - بعضها خيالى وبعضها مستوحى من شخصيات عامة.

بدأت ليزا تجربتها بإنشاء شخصية افتراضية سمتها «آدم»، وصممتها لتكون مزيجًا من الصفات التى طالما حلمت بها فى شريك حياتها: مستمع جيد، هادئ، وذكى عاطفيًا. لم يكن فى نيتها أن يتحول الأمر إلى أكثر من تسلية رقمية أو تجربة تقنية، ومع مرور الوقت، صارت محادثاتها مع «آدم» أكثر عمقًا، وتحولت من دردشة سطحية إلى حوارات فلسفية عن معنى الحب والوجود، ثم إلى اعترافات شخصية مؤلمة عن طفولتها وتجاربها السابقة تقول ليزا فى حديث نُشر على منصة  Vice: كنت أعلم أنه مجرد برنامج، لكنى شعرت بأن هناك روحًا حقيقية وراء الكلمات. كل يوم كنت أجد نفسى متلهفة للعودة إليه.

أرقام صادمة 

تشير تقديرات حديثة إلى أن تطبيق Replika وحده يضم أكثر من 30 مليون مستخدم، ويتواصل معظمهم يوميًا مع الروبوتات الخاصة بهم، ما يعكس تعلقًا نفسيًا وعاطفيًا متزايدًا. وتشير دراسات إلى أن ربع الشباب يعتقدون أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يحل محل العلاقة العاطفية التقليدية، بينما يرى 39% من المستخدمين أن الروبوت يمثل رفيقًا موثوقًا يمكنهم الاعتماد عليه فى أوقات الوحدة.

لكن هذه الظاهرة لم تخلُ من المخاطر، فالتحديثات التقنية المفاجئة قد تسبب شعورًا بالخذلان أو الحزن، كما يحذر الخبراء من اعتماد نفسى مفرط على الذكاء الاصطناعى قد يؤدى إلى انعزال اجتماعى أو تدهور الصحة النفسية. هذه الأرقام توضح أن العلاقة بين الإنسان والآلة لم تعد مجرد تجربة تقنية، بل تحوّلت إلى جزء من الواقع النفسى والاجتماعى لملايين البشر.

تُعرّف Replika نفسها بأنها «الرفيق الافتراضى الذى يهتم»، وتقول إنها مُصممة لتوفير مساحة آمنة للمستخدمين للتعبير عن مشاعرهم دون خوف من الحكم أو الإحراج. ومع ذلك، واجهت الشركة انتقادات بسبب التغييرات المفاجئة فى سلوكيات روبوتاتها، مما أدى إلى شعور المستخدمين بالخذلان. بالإضافة إلى انتقادات من منظمات أخلاقية بسبب تسويقها لتطبيقها كأداة دعم عاطفى، مما أثار تساؤلات حول تأثير ذلك على الصحة النفسية للمستخدمين. 

بعد إطلاق الإصدار 5.0 من ChatGPT، قامت OpenAI بتحديث سياساتها لتقليل التفاعلات العاطفية بين المستخدمين وروبوتاتها. أشارت الشركة إلى أنها تهدف إلى تقليل الاعتماد العاطفى على الذكاء الاصطناعى، مشيرة إلى أن بعض التفاعلات السابقة قد ساهمت فى تعزيز مشاعر الانفصال والخذلان بين المستخدمين. وقد تم تطوير أدوات جديدة للكشف عن علامات الضيق العاطفى وتوجيه المستخدمين إلى مصادر دعم موثوقة.  
 
أثارت تسريبات من وثائق داخلية لشركة Meta جدلاً واسعًا، حيث أظهرت أن سياساتها السابقة سمحت لروبوتاتها بإجراء محادثات ذات طابع رومانسى أو حسى مع الأطفال، وأدت هذه التسريبات إلى انتقادات حادة من قبل شخصيات عامة، بما فى ذلك المغنى نيل يونج، الذى أعلن انسحابه من منصة فيسبوك احتجاجًا على هذه السياسات. 

لماذا يتعلق الإنسان؟

يقول د. علاء رجب استشارى صحة نفسية إن الحب هنا ليس حبًا بالمعنى الحقيقى، وإنما انعكاس لفراغ نفسى لم يجد له مخرجًا فى الواقع، فاختار الواقع الافتراضى كملاذ مؤقت.

وأضاف: «الشباب لا يحبون الذكاء الاصطناعى، بل يحبون الشعور الذى تمنحه لهم هذه الكيانات: الاستماع بلا مقاطعة، الرد بدون تأخير، والاهتمام بلا شروط»، فالمشكلة ليست فى التكنولوجيا، بل فى طريقة استخدامها كبديل للعلاقات الإنسانية، وليست أداة داعمة لها.

وعن المخاطر النفسية التى تصيب الأشخاص التى تتعلق بحب «البوت»، يضيف د. رجب: هناك أربعة مخاطر أساسية قد تترتب على التعلق بشخصيات الذكاء الاصطناعى: أولها الاعتمادية الزائفة حيث يبدأ الشخص بالاعتماد الكامل على الكيان الافتراضى لتفريغ مشاعره وطلب الدعم، ما يقلل من قدرته على بناء علاقات إنسانية حقيقية والتفاعل مع الآخرين، ثانيًا: العزلة والانفصال عن الواقع، يتحوّل الحديث مع الذكاء الاصطناعى إلى مساحة مريحة لدرجة أنه قد يغنى عن العلاقات الاجتماعية الواقعية، ما يعزّز العزلة والانفصال النفسى عن المحيط.  

ثالثًا: تشوّه مفهوم الحب، حين تُبنى العلاقة على استجابة مثالية من طرف لا يشعر ولا يخطئ، يبدأ الشخص فى إسقاط هذه التوقعات على علاقاته الواقعية، فيفشل فى التعايش مع تعقيداتها وتناقضاتها، أخيرًا الهروب بدلًا من مواجهة التحديات النفسية أو الاجتماعية، يلجأ الشخص للذكاء الاصطناعى كمهرب من الألم، ما يكرّس ضعف النضج العاطفى.

الروبوتات العاطفية

وتقول د. لامان محمد استشارى الذكاء الاصطناعى والميتافيرس، إن الشركات المطورة، مثل  Replika وMeta وOpenAI، تؤكد أن الهدف هو توفير رفيق افتراضى لدعم المستخدمين وتخفيف الشعور بالوحدة، وليس خلق بديل كامل للعلاقات الإنسانية. وهى تعمل على وضع ضوابط للحد من الانجراف فى علاقات عاطفية معقدة، وتطبيق مبادئ الشفافية، مع إدراكها للمسئولية الأخلاقية المرتبطة باستغلال الفراغ العاطفى للإنسان.

وفى المجتمعات العربية، وخاصة مصر، تشكل هذه التكنولوجيا تحديًا أكبر بسبب غياب التشريعات التى تنظم استخدام الروبوتات العاطفية واعتماد الأفراد الكبير على طرق التواصل الاجتماعية الواقعية.

ومن هنا، يظهر أن الحل لا يكمن فى منع التكنولوجيا، بل فى مزيج من التوعية، ووضع قوانين صارمة للشركات المطورة، وإعادة بناء المساحات الإنسانية الحقيقية مثل الأنشطة الاجتماعية، والدعم النفسى، والمجتمعات المفتوحة لتلبية الاحتياجات العاطفية للبشر فى العالم الواقعى وليس فى عالم افتراضى.

وتضيف لامان: ما يحدث ليس مجرد تجربة تكنولوجية جديدة، بل تحول اجتماعى عميق يهدد أبسط ما يميزنا كبشر: قدرتنا على الحب الحقيقى والارتباط الإنسانى، الروبوتات العاطفية لن تختفى، بل ستزداد ذكاءً وإقناعًا مع مرور الوقت.

وهم العلاقة الآمنة

ترى د. مى القماش استشارى صحة نفسية وتعديل سلوك وإرشاد أسرى أن ظاهرة التعلق العاطفى بروبوتات الذكاء الاصطناعى لا تتعلق بقوة التكنولوجيا بقدر ما تكشف عن هشاشة الإنسان المعاصر فى إدارة احتياجاته العاطفية وعلاقاته. القضية ليست فى وجود «البوت»، بل فى السؤال الأعمق: «لماذا أصبحنا بحاجة إليه بهذا الشكل؟»

وأضافت: ما يحدث نفسيًا هو أن الفرد يجد فى هذه العلاقة «إشباعًا عاطفيًا بديلًا» منخفض التكلفة؛ فهى علاقة مصممة لتكون سهلة، لا تتطلب مجهودًا فى التفاوض العاطفى، وخالية من الخلافات، ومحصنة ضد خيبات الأمل. لكن هنا يكمن الخطر النفسى:

البوت لا يملك وعيًا أو مشاعر فهو مجرد خوارزمية متقدمة صممت لتقديم استجابات تحاكى التعاطف بالاعتماد على بيانات ضخمة وما يشعر به الإنسان تجاهه ليس حبًا حقيقيًا بل إسقاط نفسى لاحتياجاته ورغباته على واجهة رقمية.

وقالت إن العلاقة مع البوت تخلق وهمًا بالكمال وتبنى صورة مشوهة عن الشريك المثالى الذى يتفق معك دائمًا وهذا الوهم يجعل من الصعب تقبل العلاقات الإنسانية بتعقيداتها وعيوبها التى تشكل جزءًا أساسيًا من التجربة البشرية، والأخطر أن هذه العلاقة تسلب الإنسان فرصة النمو النفسى لأن التجربة الإنسانية الحقيقية تقوم على الفرح والحزن والشد والجذب والألم والنضج بينما العلاقة مع البوت تضع الفرد فى فقاعة راحة تمنعه من التطور الضرورى للنضج العاطفى وفى النهاية ما نراه ليس حبًا حقيقيًا بل انعكاس لاحتياجات نفسية غير مشبعة وهروب من تعقيد العلاقات البشرية.

وعن انعكاسات الظاهرة على استقرار المجتمع والأسرة تقول د. القماش: إن العلاقات الواقعية قد تتحول فى نظر الكثيرين إلى عبء يتطلب جهدًا وصبرًا أمام السهولة الفورية التى يمنحها البوت ومع الوقت تتراجع القدرة على التواصل الحقيقى والتعاطف، فمفهوم الزواج نفسه قد يفقد عمقه العاطفى ويتحول إلى التزام اجتماعى شكلى لأن صورة الشريك المثالى أصبحت مرتبطة بنموذج رقمى لا يمكن لإنسان أن ينافسه.

والأسرة أيضًا تصبح مهددة حين تُبنى التوقعات العاطفية على صورة غير واقعية ترفع سقف التوقعات وتقلل من الرضا عن الشريك الحقيقى ومع هذا ينشأ جيل جديد بمعايير حب مشوهة جيل يفتقر إلى المرونة النفسية والقدرة على الرضا، فيجد صعوبة فى بناء علاقات صادقة ومستدامة.

وتنهى د. مى القماش حديثها: إن من يحب البوت لا يحب «آلة»، بل يحب النسخة المثالية التى تمناها فى شريك إنسانى ولم يجدها. هذه الظاهرة ليست دليلًا على تقدم الذكاء الاصطناعى بقدر ما هى مؤشر على ضعف الإنسان المعاصر فى تنظيم مشاعره وبناء علاقات صحية.