إسلام عفيفى يكتب: حرب التطبيقات والأمن القومى

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


فى السياسة القديمة كانت الحدود تُرسم على الخرائط أما فى السياسة الجديدة تُرسم على شاشات الهواتف وحين تحظر دولةٌ تطبيقًا مثل واتساب، أو تُبطئه حتى يصبح غير قابل للاستخدام، فهى لا تتخذ قرارًا تقنيًا بقدر ما تُعلن شيئًا أخطر: إننا نعيش عصر «حرب التطبيقات» التى تتسع عالميًا: الصراع لم يعد حول من يملك الأرض فقط، بل حول من يملك المسار الذى يمر فيه الكلام والمال والهوية والبيانات.

القضية تبدو للوهلة الأولى كأنها أمن سيبرانى أو تنظيم خدمات، لكنها أداة حديثة لإعادة تعريف الدولة لنفسها الدولة تقول: السيادة تعنى ألا تكون حياة مواطنيّ وبياناتهم رهينة منصات خارجية لا تخضع لقوانيننا ولا لضروراتنا والشركات تقول: السيادة لا تبرر عزل المجتمعات أو دفعها نحو منصات مراقبة وبين هذين الخطابين، يحدث التحول الحقيقى: السيادة الرقمية لم تعد شعارًا؛ صارت وسيلة حكم

وما يجعل المثال الروسى مهمًا ليس أنه «حظر» واتساب فحسب، بل إنه كشف نموذجًا كاملًا لإدارة المجال الرقمى: تضييق تدريجى، ثم حظر شبه كامل، ثم فى المقابل دفع بديل وطنى شامل إلى الواجهة هنا نحن لا نتحدث عن استبدال تطبيق بتطبيق، بل عن استبدال «فلسفة اتصال» بفلسفة اتصال أخرى الأولى تقوم على تشفير طرفى يعطى المستخدم قدرًا من الحماية من التتبع والتطفل، والثانية تقوم على مركزية أعلى تسمح للدولة بأن تجعل الاتصال جزءًا من منظومتها الإدارية والأمنية والخدمية، الفارق بين النموذجين ليس فى اللون والتصميم، بل فيمن يمتلك مفتاح الباب.

هنا يجب أن ننتبه لقاعدة تحكم هذه الحروب: الحظر لا يُستخدم فقط كعقوبة، بل كرافعة لإعادة هندسة السوق والسلوك الاجتماعى لذلك لا يأتى عادةً مرة واحدة تأتى مرحلة «تآكل الخدمة»: إبطاء، تعطيل مكالمات، تشويش، ثم يصبح التطبيق عبئًا يوميًا على المستخدم قبل أن يصبح «محظورًا رسميًا» الهدف بسيط: أن يقبل الناس الانتقال لأنهم تعبوا، لا لأنهم اقتنعوا وهذه أخطر لحظة، لأن الدولة لا تغيّر تطبيقًا بل تغيّر «العُرف» الذى اعتاده المجتمع فى التواصل.

والقطعة الأكثر حساسية فى هذه المعادلة هى فكرة «التطبيق الشامل”» حين لا يكون التطبيق مجرد رسائل، بل يصبح بوابة للدفع، والتوقيع الرقمى، والخدمات الحكومية، والملفات الصحية أو الأكاديمية هنا تتحول المعركة من خصوصية «رسائل» إلى خصوصية «حياة» لأن من يمتلك منصة تجمع الهوية والمال والخدمة فى مكان واحد، يمتلك قدرة غير مسبوقة على الضبط: ليس فقط مراقبة الكلام، بل إدارة القدرة على الوصول إلى الخدمات وفى هذه النقطة بالذات يتغير تعريف الرقابة: لم تعد رقابة بوليسية فى معناها التقليدى، بل رقابة وظيفية— تُمارس عبر بوابة الخدمات.

لكن الأهم من روسيا وحدها أن نفهم: هذا المسار ليس استثناء العالم كله يتجه إلى أن يجعل التطبيقات جزءًا من الأمن القومى لأن التطبيقات اليوم ليست وسائل تواصل فقط؛ هى بنية تحتية تمس الاقتصاد والانتخابات والأمن والمعلومات لذلك نرى دولًا تفرض توطين بيانات، أو تضع قيودًا على منصات أجنبية، أو تطلب مفاتيح وصول، أو تطور بدائل محلية هذا هو الوجه الرقمى لفكرة «الاستقلال الاستراتيجى»: ألا تستطيع قوة خارجية أن توقف مجتمعك بزر، ولا تستطيع شركة عابرة للقارات أن تملى عليك شروط المجال العام.

ومع ذلك، ثمة خدعة كبرى فى هذا المنطق إذا لم يُصَحَّح: أن تتحول السيادة إلى ذريعة لعزل المجتمع عن العالم أو لإغلاقه على ذاته «الخصوصية» ليست ترفًا ليبراليًا؛ هى جزء من أمن المجتمع نفسه المواطن الذى يشعر أن كل شىء قابل للتتبع يفقد الثقة، ويبدأ فى الهروب إلى قنوات التفاف—VPN، منصات هامشية، تشفير بدائى—وهكذا ينتهى الأمر بنتيجة عكسية: تقل قدرة الدولة على مكافحة الجريمة المنظمة فعلًا، ويزداد انتشار اقتصاد الظل الرقمى أى أن الإفراط فى السيطرة قد ينتج فوضى صامتة بدل نظام أكثر أمنًا.

فى رأيى، حرب التطبيقات ستحدد شكل الدولة الحديثة فى العقد القادم أكثر مما ستفعل كثير من الخطب السياسية لأنها ببساطة تختبر سؤالًا واحدًا: هل تستطيع الدولة أن تحمى سيادتها الرقمية دون أن تحوّل المواطن إلى «موضوع بيانات» بلا حقوق؟ المعادلة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج شروطًا واضحة: شفافية قانونية فى طلبات الوصول، رقابة قضائية حقيقية، حد أدنى من التشفير والحماية، وعدم دمج كل مفاتيح الحياة فى منصة واحدة بلا بدائل، السيادة التى تحمى المجتمع هى التى تجعل الدولة قوية أمام الخارج ومقيدة أمام الداخل بالقانون والضمانات.