وراء كل صراع قطرى أو إقليمى أو محاولة انفصالية أو اضطرابات الأقليات فى المجتمعات العربية فتش عن إسرائيل. هناك ستجد حتمًا بصمة إسرائيلية كامنة. كان من النادر أن تجد كشفًا إعلاميًا يتحدث بوضوح عن استراتيجية الدولة العبرية فى إثارة القلاقل وعن ضرورة محاربة الإسلام السنى وتطويقه بعد ما ضعف المحور الشيعى، بدعوى مكافحة التشدد الدينى.
الجديد فى الأمر أنه لم يعد للكتمان ضرورة فى ظل واقع عربى مُمزق سمح لإسرائيل بالتوغل فى المجتمعات المحيطة وخلق تحالفات واضحة مع الأقليات المختلفة، وبالحديث السافر عن أهمية هذه التحالفات تحت عنوان «استراتيجية الأطراف».
الهدف من هذه الاستراتيجية هو تحقيق عمق استراتيجى حيوى، وقوة قتالية إضافية فى الميدان، وأسس اقتصادية للسيطرة الإسرائيلية على الطاقة وطرق التجارة. وأن ذلك لن يتحقق سوى بخلق تحالفاتٍ مع الأقليات والكيانات العرقية تصبح هى المفتاح لخلق محور إقليمى مستقر قادر على احتواء القوى المتطرفة وضمان بقاء إسرائيل فى واقع متغير. بالاطلاع على الاستراتيجية يتبين عمق الدلالة الجيو - سياسية للعنوان ، فالأطراف هنا تعنى حواف المنطقة التى توفر سياجًا يطوق الإقليم من جميع الجهات وبنقاط تمركز خطيرة.
كبداية شملت الاستراتيجية محور الدروز الذى يمثل العمق الاستراتيجى البشرى القائم على «تحالف عرقى» يؤثر بشكل مباشر على التماسك الداخلى مع الدروز فى إسرائيل. استراتيجيًا، يتعلق الأمر بخلق عمق بشرى جغرافى أو منطقة متصلة ذات أغلبية درزية صديقة، تمتد من جبل لبنان إلى جبل الدروز، تُشكل جدارًا دفاعيًا طبيعيًا ضد التمركز الإيرانى، يمنح إسرائيل مساحة للتنفس الأمنى، ويُحوّل الحدود من «خط دفاع» إلى «مساحة نفوذ» مشتركة!
ويمتد الحديث إلى إحياء التحالف مع المسيحيين فى لبنان باعتباره أمرًا أساسيًا لتفكيك «دولة حزب الله». فالمسيحيون الأقوياء والمستقلون حسب وصف «استراتيجية الأطراف» هم مفتاح جيش لبنانى ذو سيادة لا يخضع لإيران. يمنح هذا التحالف إسرائيل شريكًا ثقافيًا غربيًا فى بيروت، ويوقف التوسع الشيعى نحو الساحل، ويخلق ثقلًا ديموجرافيًا وسياسيًا بالغ الأهمية فى قلب بلاد الشام.
كذلك تتحدث الاستراتيجية الإسرائيلية عن الجدار الكردى كرادع للإسلام «الراديكالى» والهيمنة التركية، وعن أنّ إنشاء مناطق حكم ذاتى كردية فى العراق وسوريا يمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا على بُعد مئات الكيلومترات من حدودها. وبصفتهم «قوةً صديقة»، يُساهم الأكراد فى كبح انتشار الأصولية، ويُمكّنون إسرائيل من «قطع» سلسلة الدول المعادية، مع إنشاء جيبٍ علمانيّ موالٍ للغرب يُوازن ميزان القوى الإقليمى.
وتمتد ركائز إسرائيل الاستراتيجية نحو منطقة القرن الإفريقى فى أرض الصومال وجنوب السودان، إذ تتحدث «استراتيجية الأطراف» بوضوح عن أن تحالف الأقليات يحد من هيمنة إيران وتركيا ومصر. وقد أدى دعم جنوب السودان إلى إنشاء دولة صديقة تسيطر على منابع النيل. وفى الوقت نفسه، يُعدّ تعزيز العلاقات مع أرض الصومال أمرًا بالغ الأهمية للسيطرة على مضيق باب المندب. و بالتالى فإن أرض الصومال ُتشكّل فى عصر القواعد الأجنبية فى البحر الأحمر، رصيدًا يُؤمّن حرية الملاحة ويُحدّ من التوسع الإسلامى!
من ناحية أخرى، توفر التحالفات لإسرائيل والغرب مزايا اقتصادية بالغة الأهمية: إذ يسمح تحكم الأكراد فى احتياطيات النفط والغاز بإنشاء طرق طاقة آمنة إلى البحر الأبيض المتوسط، متجاوزين إيران. وفى الوقت نفسه، تضمن المراسى فى القرن الإفريقى حرية الملاحة والتجارة فى البحر الأحمر، وتخلق سلسلة لوجستية تربط الموارد الإفريقية والآسيوية بالأسواق الإسرائيلية والأوروبية، مع تقليل الاعتماد على الدول «المعادية».

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







