قلم على ورق

محمد قناوي يكتب: لعبة وقلبت بجد

محمد قناوي
محمد قناوي


مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، المعروض حالياً على قناة DMC ومنصة Watch It، لا يقدّم نفسه كعمل ترفيهى تقليدى، بل كمشروع درامى توعوى واضح ينتمى إلى «دراما الوقاية الاجتماعية»، التى تتجاوز عرض الأزمة إلى تفكيك أسبابها والتحذير من نتائجها قبل تفاقمها.

منذ حلقاته الأولى، ينحاز المسلسل للقضية لا للبطل الفرد، فالقصة هى المحرك الأساسى للأحداث، اختيار موضوع إدمان الألعاب الإلكترونية والابتزاز الرقمى للأطفال يعكس وعياً بطبيعة المخاطر الجديدة التى تواجه الأسرة الحديثة، إذ لم يعد الخطر قادماً من الشارع فقط، بل من داخل غرف الأطفال، عبر هواتف صغيرة تبدو آمنة فى ظاهرها، هذا الرهان على القضية يُحسب لصنّاع العمل، خاصة فى مناخ درامى يميل غالباً إلى الموضوعات المضمونة تجارياً.

يقدّم العمل صورة دقيقة للأسرة المصرية المعاصرة بوصفها متماسكة شكلياً لكنها هشّة من الداخل: أب يعمل بلا توقف لتأمين حياة كريمة، وأم تحاول الحفاظ على التوازن الأسرى، وأطفال يعيشون فى عالم رقمى موازٍ لا يفهمه الآباء، هذه المفارقة بين الاستقرار الظاهرى والتفكك الخفى تمثل إحدى أبرز نقاط قوة المسلسل، إذ لا يتهم الأسرة بالإهمال المباشر، بل ينتقد نمط الحياة المعاصر الذى يفرض عزلة داخل البيت الواحد.

ويحسن المسلسل توظيف لعبة «روبلوكس» وغيرها كنموذج رمزى، لا بوصفها وسيلة ترفيه فقط، بل كبوابة للتواصل مع الغرباء، ومصدر للإدمان السلوكى، ومسار محتمل للابتزاز وانتهاك الخصوصية. الطرح الذى شارك فى كتابته خمسة مؤلفين يتجنب شيطنة التكنولوجيا ذاتها، ويركز على خطورة سوء الاستخدام وغياب الرقابة الأسرية.

اعتماد العمل على أربع أسر يمنحه اتساعاً اجتماعياً مهماً، ويكشف نماذج متعددة للأزمة: الأسرة الكادحة الساعية للاستقرار، والأب الغائب بالحضور، وصراع الأجيال، وازدواجية الخطاب الأخلاقى لدى بعض المؤثرين، ورغم أن هذا التعدد يثرى السرد، فإنه أحياناً يقلل من التعمق النفسى فى شخصيات الأطفال، وهم جوهر القضية.

قدّم أحمد زاهر أداءً متزناً لشخصية الأب الممزق بين الواجب الاقتصادى والأبوة الغائبة عملياً، كما جاءت ريام كفارنة فى دور الأم بهدوء مقنع، بعيداً عن الميلودراما الزائدة، الأطفال، وهم العمود الفقرى للعمل، نجحوا فى نقل مشاعر الخوف والانكسار والارتباك دون افتعال، وهو عنصر نادر فى الدراما العربية، أما إخراج حاتم محمود فجاء وظيفياً فى المقام الأول: لا يبحث عن الاستعراض البصرى بقدر ما يركز على وضوح الرسالة وسلاسة السرد، وهو خيار يخدم طبيعة العمل التوعوية، ورغم وقوع المسلسل أحياناً فى المباشرة الوعظية، فإنه يظل عملاً ضرورياً اجتماعياً، موجهاً بالأساس إلى الآباء والأمهات، كجرس إنذار مبكر تجاه عالم رقمى يتسع نفوذه داخل البيوت بصمت.