باسم الدين والتجارة في الذهب.. كيف يتلاعب النصاب بعقول وقلوب الضحايا؟

المتهمين
المتهمين


في عالم تحكمه الرغبة في الثراء السريع وتتلاشى فيه الحدود بفضل التكنولوجيا تبرز عصابات النصب باسم الدين والاستثمار كأخطر التهديدات التي تواجه المجتمع المصري، فلم يعد النصاب فردًا يحاول التلاعب بالكلمات لكي يحصل على الأموال من ضحاياه، ثم يهرب بل تحول الأمر في بعض القضايا إلى شبكات إجرامية دولية تمتلك مقرات فخمة وخبراء تقنين بل وأفرادها يحملون جنسيات أجنبية مختلفة تُستخدم كستار من «البرستيج» الزائف للإيقاع بالضحايا، في السطور التالية نكشف خبايا أكبر تشكيل عصابي دولي أسقطته وزارة الداخلية مؤخرًا وكيف استطاع أباطرة الذهب المغشوش جمع ملايين الدولارات قبل سقوطهم في قبضة الشرطة المصرية.

لم يكن نشاط عصابة الذهب الدولية التي سقطت في حي الدقي مجرد واقعة نصب عادية بل كانت عملية هندسة اجتماعية متكاملة فالتشكيل المكون من 15 شخصًا بينهم 13 أجنبيًا من الأوكرانيين والروس استغلوا عقدة الخواجة لإضفاء مصداقية على شركتهم الوهمية بل كشفت التحريات التي قادها الأمن العام أن هذه العصابة لم تكتف بالضحايا المصريين بل كانت مطلوبة من الإنتربول بعد استيلائها على مبلغ فلكي قدر بـ 180 مليون دولار من الهند، أما في مصر فقد سقط في فخهم نحو 1000 ضحية من راغبي الثراء السريع بعدما أوهموهم بشراء مشغولات ذهبية وفضية بأسعار تفوق قيمتها مقابل أرباح أسبوعية متصاعدة ليتبين بعد ذلك أن الذهب مغشوش والدمغات مقلدة باسطمبات شمعية احترافية.

ثلاثة محاور

وهنا يجب أن نتساءل لماذا يصر راغبو الثراء على الوقوع في الفخ؟ يجيب الدكتور أحمد عبد الحميد خبير علم النفس الاجتماعي على ذلك السؤال قائلا: إن النصاب في العصر الحالي لا يبيع بضاعة بل يبيع أملًا يبيع الوهم وهو يعتمد على ثلاثة محاور نفسية تنهار أمامها المنطقية أولها استراتيجية الإغراء بالتصاعد فنظام الأرباح الأسبوعية يخلق حالة من الإدمان الكيميائي في الدماغ فعندما يتسلم الضحية أول ربح يتعطل مركز الحذر لديه ويبدأ في ضخ مبالغ أكبر.

ثانيها الضغط الاجتماعي أو ما يعرف بالتسويق الهرمي وهو اشتراط استقطاب مشتركين جدد يحول الضحية إلى شريك في الجريمة دون أن يدري، حيث يثق الناس في أقاربهم وأصدقائهم الذين يروجون للمشروع مما يسهل المهمة على العصابة، ثالثها بيئة الثقة الزائفة فتأسيس مقر في منطقة راقية كالدقي واستخدام أجانب بملابس رسمية يخاطب العقل اللاواعي بأن هذا الكيان حقيقي وهو ما يسمى سيكولوجيًا بتأثير الهالة.

ويؤكد خبير علم النفس الاجتماعي؛ أن قضية عصابة الذهب الدولية تمثل تحولاً نوعيا في بنية الجريمة المنظمة داخل مصر فهي لم تعد تعتمد على النصاب الفرد صاحب الكاريزما بل انتقلت إلى مفهوم المؤسسة الإجرامية العابرة للحدود فتلك العصابة استخدمت نظام بونزي الشهير لكن بدمجه مع تجارة الذهب وهي الملاذ الآمن تاريخيًا للمصريين؛ فالربط بين الذهب كقيمة ثابتة وبين الأرباح الأسبوعية كإغراء سريع خلق حالة من التخدير المنطقي كما أن شرط استقطاب مشتركين جدد حول الضحايا إلى وكلاء دعاية غير مأجورين مما جعل كرة الثلج تكبر بسرعة هائلة تفوق قدرة الرصد التقليدية.

القانون

وهنا يجب أن نسأل هل مواد القانون الحالي كافية ورادعة لمواجهة مثل تلك العصابات أو مافيا الذهب ومن على شاكلتهم؟ وفقًا للمستشار محمد فتحي المحامي بالنقض فإن هذه الجرائم تندرج تحت المادة 336 من قانون العقوبات لكن القضية الحالية تتجاوز النصب البسيط إلى الجريمة المنظمة؛ فتلك القضية بها عدة جرائم متداخلة منها النصب والاحتيال وتزوير أختام الدولة والتي هى الدمغة وغسل الأموال وإدارة كيان بدون ترخيص وبالنظر إلى أن العصابة دولية ومطلوبة للإنتربول فإن العقوبات قد تصل إلى السجن المشدد خاصة مع وجود أدوات تزوير ومبالغ مالية ضخمة.

ويضيف المحامي بالنقض؛ أن الضحايا في نظام التسويق الهرمي قد يجدون صعوبة قانونية في استرداد أموالهم إذا اعتبروا شركاء في الترويج لكن في حالة الذهب المغشوش فإن التزوير المادي يسهل إثبات الجريمة وإدانة الجناة.

إن كشف هذه العصابات من قبل قطاع الأمن العام برئاسة اللواء محمود أبو عمرة يعكس يقظة أمنية لكن الوعي يظل خط الدفاع الأول والخبراء يجمعون على قاعدة ذهبية واحدة أي استثمار يعدك بأرباح تفوق المنطق ويشترط عليك جلب أشخاص آخرين هو بالضرورة فخ ولو قلنا إن أسطورة المستريح التقليدي قد انتهت فقد ظهر مكانها المستريح الدولي الذي يرتدي بدلة أنيقة ويتحدث لغات أجنبية لكن الهدف واحد وهو سرقة مدخرات العمر تحت ستار الذهب المزيف وبلغت قيمة المضبوطات في قضية الجيزة وحدها 30 مليون جنيه كأصول مادية وأدوات تزوير لكن الأثر الاقتصادي أعمق بمليارات الجنيهات التي تُسحب من الاقتصاد الرسمي وتوضع في يد عصابات دولية تهربها للخارج فور تجميعها كما حدث في واقعة الهروب من الهند بمبلغ 180 مليون دولار.

جرائم احتيال

لا تقتصر عمليات النصب على الذهب فقد رصدت الأجهزة الأمنية تنوعًا في أساليب الاحتيال الرقمي وتم القبض على عدد من عصابات النصب الآخرى؛ منها في القاهرة حيث سقطت عصابة تخصصت في عرض توك توك وتروسيكل بأسعار زهيدة عبر منصات التواصل لجمع مقدمات الحجز ثم الاختفاء، وفي جنوب سيناء استغل محتالون رغبة الضحايا في الترفيه عبر صفحات وهمية لحجز غرف في فنادق مستولين على مبالغ بالعملات الصعبة وتم إلقاء القبض عليهم، أما في القليوبية فتم استخدام أسلوب المغافلة حيث قام عاطلون بعمل صفحات لبيع السيارات المستعملة وذلك لاستدراج الضحايا أمام البنوك والاستيلاء على أموالهم بأسلوب المغافلة بعد إيهامهم بجدية البيع.

في تلك الجرائم لم تكن الأرباح الفلكية وحدها هي الطُعم الذي ألقته هذه العصابات بل كان الوازع الديني هو المدخل الأكثر خبثا للإيقاع بالضحايا، فعلى مدار عقود ومنذ ظهور ظاهرة المستريح وحتى عصابات الذهب الدولية الحديثة اعتمد هؤلاء المحتالون استراتيجية عزل الضحية عن النظام المصرفي الرسمي فلقد روج هؤلاء لفكرة أن فوائد البنوك ربا محرم موهمين الناس بأن التجارة معهم هي الاستثمار الحلال والمبارك.

ولإحكام السيطرة استعان الكثير من هذه الكيانات بأشباه دعاة أو شيوخ موالين بملابسهم التقليدية وشكلهم الديني ليصدروا فتاوى تُشرعن نشاط تلك الشركات وتمنحها صبغة القدسية وهذا التلاعب لم يكن مجرد نصيحة دينية بل كان تكتيكًا إجراميًا مدروسًا يهدف إلى تغييب العقل النقدي فبمجرد إضفاء صفة الحلال على المشروع يتوقف الضحية عن المطالبة بضمانات قانونية أو أوراق رسمية معتبرًا أن البركة أهم من العقد.

بالإضافة إلى تشويه المؤسسات الوطنية من خلال ضرب الثقة في البنوك الرسمية وتصويرها كعدو للشريعة مما يدفع المواطن لضخ مدخرات عمره في شركات وهمية لا تخضع لرقابة البنك المركزي، ولأن المعاملات التي تتم بعيدًا عن المنظومة البنكية الرسمية غالبًا ما تكون كاش أو عبر وسطاء مما يسهل على العصابات تهريب الأموال للخارج، كما حدث في واقعة الـ 180 مليون دولار  من الهند دون ترك أثر رقمي يسهل تتبعه فوريًا.

إن عصابة الذهب ومن سبقها لم يسرقوا أموال الناس فحسب بل استغلوا أعمق مقدساتهم محولين التجارة مع الله في ذهن الضحية إلى تجارة مع عصابات دولية تتقن لغة الترهيب والترغيب.

هذه الجريمة هي جرس إنذار بأن الوعي المالي بات ضرورة أمن قومي، فالمواطن لم يعد يواجه محتالًا بسيطا بل يواجه عقلًا إجراميًا جمعيًا يمتلك أدوات التزوير والدعم اللوجستي والقدرة على التلاعب النفسي تحت غطاء الاستثمار.

اقرأ أيضا: الأسرار الكاملة لسقوط عصابات الذهب المغشوش

;