يوميات مواطن

من سرق الحديد؟

عمر عبد العلى
عمر عبد العلى


الموضوع ببساطة-أو هكذا يبدو- يتعلق بسور حديدى ضخم أقامته محافظة القاهرة منذ سنوات طويلة لتنظيم حركة المرور فى شارع الجلاء، ذلك الشارع الذى يمتد من ميدان رمسيس حتى ميدان عبدالمنعم رياض.
السور، لمن لا يعرف، ليس من النوع الخفيف الذى تحمله الرياح أو تبتلعه الأرض. نحن نتحدث عن حديد سميك، بارتفاع يزيد على متر ونصف، وربما يحتوى على عشرات الأطنان من الحديد الخالص. وبقايا السور الموجودة حتى الآن، تشهد على هذه العظمة الهندسية فى تصميمه، فربما تكلف الملايين من الجنيهات فى ذلك الوقت.
مع مرور الأيام والشهور- بل السنوات-بدأت ألاحظ أمراً مريباً. السور لا يصدأ، بل يتآكل ثم يختفي!
فى البداية تظن أن عينك خانتك، ثم تكتشف أن قطعة كاملة، بطول مترين أو ثلاثة، قد تبخرت من الوجود!.. قطعة تحتاج إلى مناشير كهربائية، ومعدات تقطيع، وربما شاحنة نصف نقل على الأقل، ومع ذلك تختفى بهدوء، وكأنها كانت حلماً عابراً.
وبما أن مسار عملى اليومى يبدأ من مترو جمال عبد الناصر، مروراً بأسفل كوبرى الجلاء، وصولاً إلى شارع الصحافة ومبنى جريدة الأخبار، فقد صرت شاهد عيان دائم على الجريمة. كل صباح أضرب كفاً على كف، وأسأل نفسي: أين السور؟، لقد كان هنا بالأمس!
الأغرب من الاختفاء نفسه، هو الأسلوب الاحترافي.. فالقصة لا تبدأ بالسرقة مباشرة، بل بمقدمة درامية محسوبة تتلخص فى التالى: إزاحة خفيفة من أحد الأطراف، خلخلة مدروسة، ثم كل ليلة تزداد المساحة المنزوعة قليلًا، فى صمت كامل، حتى تستيقظ ذات يوم لتكتشف أن جزءاً كاملاً من السور قد قطع بالمنشار، وحمل إلى جهة مجهولة… ربما إلى عالم مواز يعيش فيه الحديد حياة أفضل.
الآن، المشهد واضح للعيان.. فراغات مكان السور تتحدث أكثر مما يتحدث الحديد نفسه. لكن اللغز ما يزال قائمًا، والسؤال يصرّ على نفسه بإلحاح صحفى مشروع: من سرق حديد سور شارع الجلاء؟.