يوشك العام أن يطوى دفاتره ليبدأ عام جديد، فاللهم اجعله عامًا سعيدًا لنا ولكم .
قديما كان التكافل الاجتماعى يتجلّى فى فكرة «النّقوط» التى تتمثل فى دفع مبلغ مالى على قدر الاستطاعة للعروس، يهبه أهلها لها، فى ليلة الزفاف ويوضع فى طبق أبيض كبير يجلس بجواره أحد إخوتها ليعرف «الجميل» الذى يستوجب الردّ يوما ما، ويقف أهلها فى صف يسلّمون عليها وكُلٌّ يعطيها ما يود من مال تعارَف المجتمع على أنه «نقوط» وهو أشبه بجمعية غير محددة أوقات السداد لأنها تُسدد على فترات زمنية طويلة؛ عندما تتزوج إحدى فتيات المُهدِي، تذهب وتسدد ما عليك من نقوط دون إعلان تجارى وهكذا فهى ليست موجعة فى السداد إذ تُسدد على فترات متباعدة حينما تأتى «المناسبة» بيد أنها كانت تساعد العروس وأهلها إذ تُجمع فلوس النّقوط ليُسدد بها والد العروس أو أمها صباحا ثمن ما تم شراؤه من ملابس لها ومن حلِي، وقد تتبعتُ هذا العُرف فوجدته فى بلدان أخرى تحت مسميات أخرى مثل «عينيّة» فى الإمارات وكذلك «عوينة» بينما فى السعودية يطلق عليها «عانية» وهى من العون والمساعدة، وأما فى أفغانستان فتدعى «تحفة» وهى هدايا من النساء للعروس ليلة زفافها وتُرد فى مناسبات سعيدة قادمة.
ناظر النقوط
كادت عادة النقوط أن تختفى فى قُرانا وهذا موضوع يحتاج بحثا اجتماعيا واقتصاديا لمعرفة أسباب اضمحلال هذه الظاهرة بعدما كانت جمعية ميسرة، لم تندثر تماما لأننى وجدتُها فى بعض القرى ولكن بمبالغ كبيرة فيها شطط كبير حيث قفزت إلى آلاف بعدما كانت جنيهات معدودة، وعيّنت لها بعض القرى محاسبين «ناظر النقوط» يتفرغون لتدوين النقوط على كمبيوتر محمول ويتجولون به فى الأفراح والويل كل الويل لمن دُعى لفرح وعليه نقوط ولم يسدّد!!
وقد أعد المصور البارع والفنان بيمن سمير فيلما تسجيليا عن النقوط أراه تحفة فنية ينبغى عرضه ومشاهدته.. ألا يتجلى التكافل فى النقوط، إنه المرحمة والمساعدة فى وقت تكون الحاجة إلى النقود مُلحة.
فرَح افتراضى
من الطرائف إذا دفع أحد فلوسا كثيرة فى النقوط، ولم تحن عنده مناسبة واحتاج مالا أن يقيم حفلا لختان ابنه يتعارف الناس سرا أنه فرح لجمع النقوط ويدعو من نقّطهم من قبل ويأتون مهنئين فى مناسبة وهمية ويُرجعون له نقوطه ويتعشون وكأنهم فى حفل عُرس حقيقى، ويضحكون لقضاء وقت سعيد مهنئينه بمناسبة «طهور» ختان ابنه الذى اختُتِن فى أفراح النقوط خمس مرات من قبل وصار جدًا وهذا من طرائف ما يحدث فى بعض القرى.
أيام فى طيبة
عندما ذهبتُ إلى بيت الشعر بالأقصر حيث اختارونى شخصية العام الثقافية، ذهبت لطيبة المجد والتاريخ وعبق الحضارة المصرية القديمة والحديثة؛ هنا بدأ التاريخ بل هنا بدأت مصر ليبدأ بعدها التاريخ؛ والأجمل كان حضور الشعراء والنقاد ومحبى الأدب لكى نحتفى بالكلمة، هنا معبد الأقصر ومعبد الكرنك ووادى الملوك ووادى الملكات ومدينة هابو حيث تستمع إلى الشعر؛ بداية الكلمات وجمال البلاغة وفصاحة المفردات؛ كم فرحت بحضور الأصدقاء الذين ينتصرون للكلمة ويحاولون أن يعرفوا عبق المعنى وتأثيره فى المجتمع، ومن أجمل ما سمعت كان النقد الذى يواكب الإبداع؛ وكان النصيب الأكبر لشعراء شبان يبشّرون بما خطَته قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر من خطوات كبيرة ولا سيما فى قصيدة النثر التى استطاعت أن تتخلص من ترهّلات السرد وخطابية الحكى وتكرارية الصور.
أصدقاء الزمن الجميل
فى المساء وجدتُ أصدقائى القدامى: عامر عباس وسعد غلاب وحسام وسعد كاسور وأحمد جبريل الذين تركوا أعمالهم وأهاليهم لكى يرى بعضنا بعضا بعد سنوات من الغياب فى بلاد الله، التقينا فى مقهى قريب من نهر النيل وعادت بنا الذاكرة إلى أيام خوالٍ مضت وذكريات جميلة لا تُمحى من الذاكرة؛ الذاكرة سر لمّا يكتشف بعد؛ كيف تخبّئ أحداثا تظن أنها محيت لكنها فى الوقت المناسب تبدو كأنها تتشكّل الآن أمام عينيك، كم من وجوه ظننت أنها اختفت من الذاكرة لكنها تعود بكل تفصيلاتها وقسماتها إليك، فشكرا لأصدقائى القدامى الذين تجمعوا عندما كنت فى زيارة لأسوان أيضا عندما كنت رئيسا للهيئة العامة لقصور الثقافة وبعد الاجتماعات الرسمية ذهبنا لمطعم شعبى فى الواحدة ليلا لنأكل الفول المحوّج والطعمية ويدفع الحساب الصديق عامر عباس على عادة كرمه التى اعتدناها، يظل سعد غلاب فى هدوئه الرزين وحكمة كلامه القليل وتأمله الدائم بينما يحكى عامر عباس عن الحياة والأصدقاء الذين رحلوا والذين يعافرون فى الحياة، يحكى فى محبة قلب وطيبة نفس وجمال روح، أما أحمد جبريل النبيل فما يزال رغم تقاعده الشاب المثقف الواعى الوسيم، سار الحديث كموج هادئ يحمل الذكريات الجميلة، وهل يوجد الإنسان إلا فى ذاكرته؟
طريق الكباش والشعر
كان الجو فى اعتداله النادر بين الشتاء والصيف وكان كباش طريق الكباش يسترقون السمع معجبين بالشعر ومذهولين بالنقد وكلٌّ منهم ينقل للآخر ما يسمعه فى بيت الشعر حتى وصل الشعر إلى بحيرة الأقداس فى معبد الكرنك فتراقص الماء فيها منشدا؛ فشكرا بيت الشعر.
رحيل عزيزة قومها
مع الفجر دق الهاتف منبئا رحيل والدة زوجتى الحاجة سميرة على عتمان، وبسرعة توجهنا لحضور جنازتها، كانت امرأة تمتلك شخصية قوية تجمع بين حكمة الجدات وخبرة المُعمرات ونُصح الأمهات؛ كانت تدعو لى كثيرا؛ سافرت مع زوجها الشيخ محمد الأمين -رحمه الله- إلى الجزائر عندما كان مبعوثا لتعليم اللغة العربية هناك، كانت تصل الرحم وتعين المحتاج وتدعو للغائب وتسأل عن المريض وتجامل أهلها وصديقاتها وظلت فصيحة اللسان وبليغة البيان؛ وقد رثتها عُلا ابنة أخى محمود قائلة:
«رحلت كبيرة العويضات وحكيمتها مثال الحكمة والرأى والمشورة، رحلت من كانت تحكى لنا عن شجرة العائلة وعن طفولتها وأمها وأبيها وأخواتها وعن ذكرياتها فى الجزائر وهى تتصفح ألبومات صورها الجميلة التى تحكى كل الذكريات الخالدة، رحلت من كان بيتها مفتوحا للجميع فى كل الأوقات فهى محبة لكل الناس وكريمة لأبعد الحدود»
وقد أحسن الشاعر محمد سيد الهوارى فى رثائها فى قصيدته البديعة التى عنونها «غيـابُ البركة» يقول فيها:
عَظُمَ المصابُ وهُدّمَ البنيانُ
ومضتْ بـِـطِيبِ زمانِنا الأحزانُ
رحلتْ «سميرةُ» والديارُ حزينةٌ
والفقدُ فى صَدرِ الجَميعِ كِيانُ
ما كانتِ امرأةً تمرُّ كـغيرِها
بل إنها الجداتُ والأزمانُ
بركاتُ قريتنا إذا هى أقبلتْ
هـلّ الهناءُ وطـابتِ الأركانُ
يا ليتَ شِعرى مَن يعوّضُ بَسمةً
فيها من الطُّـهرِ القديمِ حـنانُ؟
ماتتْ «عزيزةُ قومِها» و»ملاذُهم»
فـبكاكِ قـلبٌ، وانحنى الوجـدانُ
يا ربِّ إنَّ «سميرةً» قد أقبلتْ
والجُـودُ جودك أنت يا منّانُ
فاجعلْ جِنانَ الخلدِ طِيبَ مَقامِها
ما جـفَّ دمعٌ، أو بـكـى إنسانُ.
رحمها الله تعالى
فى النهايات تتجلى البدايات
يوشك العام أن يطوى دفاتره ليبدأ عام جديد، فاللهم اجعله عاما سعيدا لنا ولكم
كل العام أنتم بخير .

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







