فضيحة فساد تهز الاتحاد الأوروبى .. اتهام مسئولين كبار بالتلاعب والاحتيال وتضارب المصالح

الاتحاد الأوروبى
الاتحاد الأوروبى


 في قضية جديدة هزت قلبَ الدبلوماسية الأوروبية، تحقق السلطات مع 3 مسئولين كبار بالاتحاد الأوروبي، بتهم تتعلق بالاحتيال والفساد، حيث داهمت الشرطة عدة أماكن واعتقلت المسئولين المتهمين، فيما وصف بأنه أكبر فضيحة في بروكسل منذ التسعينيات في أعقاب اتهامات بسوء الإدارة المالية.

كانت البداية، بعملية تفتيش ضخمة، بحسب صحيفة لوموند، قامت بها الشرطة البلجيكية، حيث فتشت هيئة العمل الخارجي الأوروبية في بروكسل، وكذلك في كلية أوروبا المرموقة في بروج، وهي تعادل كلية أوروبا للدبلوماسيين الأوروبيين، وفي منازل خاصة، واعتقلت على إثر ذلك 3 مسئولين.

تبين أن المسئولين المعتقلين رفيعي المستوى في المؤسسات الأوروبية، وهم فيديريكا موجيريني، رئيسة كلية أوروبا الحالية في بروج، التي شغلت منصب رئيسة الدبلوماسية الأوروبية ونائبة رئيس المفوضية من عام 2014 إلى عام 2019، وستيفانو سانينو، أعلى موظف مدنى في خدمة العمل الخارجي الأوروبي، وهو يشغل حاليا منصب المدير العام لدائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج في المفوضية.

والشخص الثالث المحتجز فيما يتعلق بالتحقيق هو سيزار زيجريتي، المدير المشارك لمكتب التعليم التنفيذي والتدريب والمشاريع في كلية أوروبا، حيث يتطرق التحقيق إلى شبهات المحسوبية واحتمالية المنافسة غير العادلة في منح خدمة العمل الخارجي الأوروبية، برنامج تدريبي لمدة تسعة أشهر لدبلوماسيين أوروبيين مستقبليين.

وتبين أن هذه الكلية، التي ترأسها حاليا فيديريكا موجيريني، والتي تأسست عام ١٩٤٩ في بروج، كانت بمثابة مركز تدريب للدراسات العليا لعدد لا يحصى من مسؤولي ودبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، وكشفت التحقيقات أن منظمة حماية البيانات الأوروبية طلبت رفع الحصانة عن المسئولين الثلاثة قبل القبض عليهم.

وتعود الأحداث إلى عام ٢٠٢١، حيث يُشتبه في أن كلية أوروبا أو ممثليها كانوا على علم مسبق بمناقصة عامة أطلقتها خدمة العمل الخارجي الأوروبية لاستضافة أكاديمية دبلوماسية جديدة تابعة للاتحاد الأوروبي، وكانت هذه المناقصة، التي مُنحت لكلية أوروبا عام ٢٠٢٢، مفتوحة لمؤسسات التعليم العالي من جميع أنحاء أوروبا.

السياسة الخارجية والأمنية

وأُطلقت المبادرة كمشروع تجريبي بقيادة جوزيب بوريل، الخليفة الإسباني لموجيريني  في منصب الممثل الأعلى للإتحاد الأوروبي للشئون الخارجية والسياسة الأمنية، حيث وُسِّعت المبادرة لاحقا واعتمدها مجلس الاتحاد الأوروبي رسميًا في مايو 2024، وتهدف إلى تدريب المسئولين المستقبليين على السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وتحديدا إلى تعزيز فهم مشترك لدور الاتحاد الأوروبي في العالم، ونشر أفضل الممارسات المتعلقة بإدارة الدبلوماسية الأوروبية، وترسيخ روح العمل الدبلوماسي الأوروبي.

كما كشفت التحقيقات أنه في ظلّ الصعوبات المالية التى تواجهها كلية أوروبا، اشترت مبنى في بروج مقابل 3.2 مليون يورو، وبعد ذلك بوقت قصير، نشرت هيئة العمل الخارجي الأوروبي دعوة لتقديم عطاءات لاستضافة الأكاديمية الدبلوماسية الجديدة للاتحاد الأوروبي، وكان أحد شروط التقديم توفير سكن للمتدربين، حيث فازت الكلية بالعقد وحصلت على تمويل أوروبي بقيمة 654,000 يورو.

وأكد المدعي العام الأوروبي أن لديه شكوك قوية بشأن نزاهة المناقصة التي أُطلقت في عامي 2021 و2022، وأشار إلى أنه إذا ثبتت صحة هذه الشكوك، فقد تُشكل الوقائع احتيالا في مجال المشتريات العامة، وفسادًا وتضاربًا في المصالح، وخرقًا للسرية المهنية، في الوقت الذي يكافح فيه الاتحاد الأوروبي للتخلص من سلسلة فضائح فساد منذ بداية هذا العقد.

وتأتي القضية الجديدة بعد فترة وجيزة من فضيحة «جيت»، عندما اتُهمت دولة آسيوية بالسعي للتأثير على أعضاء البرلمان الأوروبي من خلال الرشاوى والهدايا، بالإضافة إلى تحقيق الفساد الذي أُجري هذا العام في أنشطة الضغط التي تقوم بها شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة هواوي في أوروبا.

أبرز قضايا الفساد

ومن أبرز قضايا الفساد التي شهدها الفضاء الأوروبي، محاكمة 25 شخصًا من بينهم ماريان لوبان زعيمة المعارضة الفرنسية والمرشحة الرئاسية السابقة، في قضية عرفت باسم  المساعدين البرلمانيين، حيث كانت زعيمة المعارضة في مركز  نظام منظم لاختلاس الأموال العامة، داخل جدران البرلمان الأوروبي.

ووفق لائحة اتهام النيابة العامة، يشتبه في قيام المتهمين، بين عامي 2004 و2016، بإنشاء «نظام اختلاس» أموال يدفعها الاتحاد الأوروبي بهدف توظيف متعاونين برلمانيين، من أجل تمويل الأنشطة السياسية للحزب اليميني المتطرف، وقدرت الأضرار بنحو 7 ملايين يورو من قبل البرلمان الأوروبي.

ويواجه الاتحاد الأوروبي تحديات فساد متجذرة ومتعددة الأشكال تهدد استقراره ومصداقيته من الداخل، حيث لا يقتصر الفساد في فضاء الاتحاد الأوروبي على معاملات الرشوة البسيطة، بل يتخذ أشكالا أكثر تعقيدًا، من أبرزها فساد المشتريات العامة، والذي يُعد أحد أكبر مجالات الهدر، عن طريق منح العقود الحكومية الكبرى، سواء في مجال البنى التحتية أو التكنولوجيا بناء على علاقات غير شفافة أو ولاءات سياسية، وليس على أساس الجودة والتكلفة، مما يكلف دافعي الضرائب مليارات اليوروهات سنويا.

كما تشير التحقيقات إلى أنه في بعض الدول الأعضاء، تشير الأدلة إلى محاولة نخب سياسية واقتصادية للسيطرة على مؤسسات الدولة الرئيسية كالقضاء والإعلام وهيئات الرقابة وتوجيه السياسات والتشريعات لخدمة مصالحها الضيقة على حساب المصلحة العامة الأوروبية.

فضائح متتالية

ومن أبرز الأشكال أيضا فساد التمويل الأوروبي، حيث يمثل التلاعب بأموال الاتحاد الأوروبي، وخاصة صناديق التماسك والزراعة التي تشكل جزءًا كبيرًا من ميزانيته، جرحًا نازفًا، وفقا لصحيفة toute l›europe ، وتشمل الانتهاكات إنشاء شركات وهمية، وتقديم عروض أسعار مزيفة، والإبلاغ عن مشاريع غير موجودة لتحصيل التمويل.

يأتي ذلك بجانب الفساد السياسي والتأثير غير المشروع، وهو ما كشفت عنه فضائح متتالية مثل كيوب جيت، والتي تبين كيف تسعى مجموعات الضغط والجهات الأجنبية للتأثير على صناع القرار في بروكسل عبر شبكات معقدة تجمع بين النواب والموظفين الكبار ومسئولي الدول الأعضاء، مستخدمة أموالاً طائلة ووعودًا بوظائف مستقبلية.

وتظهر مؤشرات الفساد العالمية، مثل مؤشر مدركات الفساد الصادر عن «الشفافية الدولية»، فجوة واضحة داخل الكتلة، فبينما تحتل دول مثل الدنمارك وفنلندا المراتب الأولى عالميًا في النزاهة، فإن بعض دول أوروبا الشرقية والجنوبية تتأخر بشكل ملحوظ، حيث تخلق تلك الفجوة توترات سياسية داخل الاتحاد، وتثير الدول الأقل فسادًا شكوكًا حول حكمة ضخ الأموال المشتركة في أنظمة يعتريها خلل، بينما تتهم الدول المستفيدة أحيانا بالوصاية.

تعقيد البيروقراطية

وفي محاولة مكافحة ذلك الفساد يواجه الاتحاد الأوروبي عدة تحديات وعقبات، حيث يظل إنفاذ القانون الجنائي وإدارة القضاء من صلاحيات الدول الوطنية، بينما لا تملك مؤسسات الاتحاد، مثل المكتب الأوروبي لمكافحة الإحتيال أو النيابة الأوروبية، سلطة تدخل مباشرة وشاملة، مما يعيق التحقيقات عبر الحدود.

وفي بعض العواصم الأوروبية، يفتقر الإصلاح القضائي والإداري للإرادة السياسية الحقيقية، خاصة عندما تهدد الإصلاحات مصالح النخب الحاكمة أو شبكات المحسوبية، بجانب تعقيد البيروقراطية، حيث يستغل الفاسدون تعقيد الإجراءات الإدارية في الاتحاد لإخفاء أنشطتهم، مما يصعب على المواطنين والباحثين تتبع تدفق الأموال بشكل كامل.

كل ذلك الفساد، بحسب الخبراء، كان له عواقب حيث أدى إلى تآكل الثقة العامة وتقويض إيمان المواطنين بالمؤسسات الأوروبية والديمقراطية ككل، مما يفتح الطريق أمام الخطابات اليمينية المتطرفة المعادية للإتحاد، وخنق المشاريع وتشويه السوق الموحدة، حيث تربح الصفقات وليس الجودة.

اقرأ أيضا: 2025.. عام مالي معقد في الاتحاد الأوروبي بسبب اتساع العجز

;