صلاح عبد الكريم |فتنة الحديد التى كسرت القوالب

الحصان -  تمثال من الحديد ١٩٧٠
الحصان - تمثال من الحديد ١٩٧٠


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

استكمالًا للحديث عن الفنان الشامل صلاح عبد الكريم (1925-1988)، الذى بدأناه الأسبوع الماضى، نتابع اليوم محطة جديدة فى رحلته الفنية، حيث نكشف عن جانب من عبقريته فى تحويل الحديد والخردة إلى أعمال نحتية نابضة بالحياة، فقد كان عبد الكريم يحمل منذ طفولته شغفًا خاصًا بعالم الكائنات الصغيرة؛ فكان يجمع الحشرات والطيور والفراشات، يربيها، ثم يُحَنِّط ما يموت منها بعناية تُشبه طقوسًا خاصة بينه وبين الطبيعة، هذه الهواية المبكرة كشفت عن شخصية شديدة الصبر وجُرأة فى الاقتراب من التفاصيل الدقيقة، وهو ما انعكس لاحقًا على أسلوبه الفنى.



اقر أ أيضًا | محمود حميدة: معرض الفن التشكيلي يمنحني تجربة مدهشة

فنان لا يمكن تأطيره

يُعدّ دخول عبد الكريم إلى عوالم النحت من بوابة الحدادة الفنية أحد أبرز مفاتيح فهم تجربته، فهو لا يتعامل مع الحديد ككتلة صامتة جامدة، بل ككائن قابل للتحوير والانفعال.

فى معظم أعماله، لا يظهر المعدن كهيكل صناعى بارد، بل كجسد حى، مشدود ومتوتر، يكشف عن صراع الإنسان مع ذاته ومحيطه.. هذا التحويل من المادة إلى المعنى هو ما يمنح أعماله خصوصيتها، فهو يقف فى منطقة دقيقة بين البناء الهندسى الصارم والتعبير الانفعالى الحر، فالأشكال لديه تتسم بصلابة هيكلية واضحة، لكنها فى الوقت ذاته لا تخلو من الحركة الداخلية.

إنه يحقق معادلة صعبة: أن يكون المعدن مرنًا دون أن يفقد قسوته.

رغم انتمائه لجيل الخمسينيات، لم يكن عبد الكريم تابعًا لتيار أو مدرسة، لقد صنع لنفسه مسارًا منفردًا، قائمًا على التجريب الدائم وتوسيع حدود الخامة، لذلك يصعب تصنيفه ضمن اتجاه محدد، إنه فنان لا يمكن تأطيره، بل يُقرأ من خلال أعماله.

صدمة السمكة

رغم دراسته للزخرفة، فإن فن النحت لم يفارق مخيلته، وظل يهمس له كحلم مؤجل، وفى عام 1958 حدثت لحظة فارقة؛ إذ توقف أمام عامل لحام فى الكلية، وكأنه عثر فجأة على الخامة التى كان يبحث عنها، وطلب أن يتعلم اللحام فورًا، وتعلمه بالفعل بسرعة مدهشة، ثم بدأ يجمع قطع الحديد المتناثرة هنا وهناك ليُشَكِّل منها سمكة صغيرة، قصد بها تزيين منزله لا أكثر، دون أن يتخيّل أن تلك القطعة ستُغَيِّر مسار النحت فى مصر.

لكن الصدفة -أو بصيرة الفنان حسين بيكار- لعبت دورها؛ إذ شاهد بيكار السمكة، واقترح مشاركتها فى بينالى «ساو باولو» بالبرازيل، وهناك فازت بالجائزة الأولى وميدالية الشرف الدولية، لتُعلن ميلاد تجربة جديدة ستقلب مفاهيم النحت التقليدى وتفتح أبوابًا غير مطروقة.

منذ ذلك الحين، بات الحديد قدره الفنى، أدمن الذهاب إلى وكالة البلح، التى اعتبرها كنزًا خامًا لا يعرف أسراره غيره؛ يجمع منها خردة المصانع والآلات، يختار القطع بعين صائغ يبحث عن حجر كريم، ورغم أن الحديد خامة عنيفة تحتاج إلى مهارة فى ترويضها، ورغم أن إحدى شظاياه كادت تُفقده بصره أثناء انصهاره الذاتى، فإنه تَمَسَّك به بعناد المبدع الحقيقى، وبذلك فتح أمام نفسه - وأمام النحت المصرى - آفاقًا غير مسبوقة.

صيحة الوحش

فَجَّر عبد الكريم، مفاجأة جديدة من مفاجآت عبقريته، عندما شارك فى مسابقة عامة للنحت بعنوان «العمل»، وهى مسابقة ضمت لجنة تحكيمية رفيعة المستوى، وقد فوجئ أعضاء اللجنة عند فتح باب العرض بتمثال ضخم مصنوع بالكامل من خردة الحديد، قَدَّمه عبد الكريم، مما أثار دهشة عارمة؛ إذ تساءل البعض: لماذا يقتحم هذا المُصَمِّم الكبير، خريج قسم الديكور، ميدانًا يبتعد تمامًا عن تخصصه الأكاديمى؟

بل إن أحد أعضاء اللجنة لم يتردد فى انتقاده صراحة، قائلًا إن ما يُقَدِّمه هو بدعة تمثّل -فى رأيه- (انتقاصًا من قواعد النحت الراسخة) التى تعارف عليها أهل المهنة منذ نشأتها، واحتدم النقاش بين مؤيد يرى فى تجربته روحًا جديدة، ومعارض يتمسك بالتقاليد الموروثة، قبل أن تُحسم المعركة لصالح الإبداع؛ إذ انتصر تمثال الحديد الخردة على منافسيه المصنوعين من البرونز والخشب، مُعلنًا تقدم رؤية فنية جديدة على القوالب النمطية.

بهذا الفوز، استطاع عبد الكريم أن يُرَسِّخ مفهومًا جديدًا للنحت، قائمًا على إعادة توظيف الخامات المُهملة وتحويلها إلى كائنات نابضة بالخيال. ولم يتوقف نجاحه عند هذا الحد، بل شارك لاحقًا بأعماله الحديدية فى أحد بيناليات أمريكا اللاتينية، حيث حصل على الجائزة الكبرى عن عمله الشهير «صيحة الوحش».. ومن أشهر أعماله من الحديد: البومة، الضفدعة، الثور، الحصان، الضبع، التمساح، النسر، تمثال التصنيع، تمثال المسيح. 

وفى إطار الاحتفال بمرور مائة عام على ميلاد عبد الكريم، فقد أقام آخر تلاميذه، أ.د.أشرف رضا أستاذ الديكور، معرضًا دائمًا لأعماله بقسم الديكور بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، بهدف تعريف الطلاب بهذا الرمز الفنى الكبير.