مصطفى حمدى يكتب عن مهرجان يتنفس بخجل: «القاهرة السينمائى».. هل يكفى الاسم العريق وحده؟

حسين فهمى
حسين فهمى


فى صباح اليوم الثالث من مهرجان القاهرة السينمائى، وقفت أمام شباك التذاكر بحثًا عن تذكرة لفيلم فى المسابقة الرسمية أجابنى الموظف بلهجة ثابتة: «سولد أوت» تكررت الجملة نفسها فى أكثر من محاولة، حتى عزوت الأمر فى البداية إلى الإقبال الجماهيرى لكن الغريب أن بعض العروض فى المسرح الكبير كانت تضم مقاعد خالية! مشهد يطرح سؤالًا منطقيًا: هل المشكلة فى نظام الحجز، أم فى الحصة المخصَّصة للصحفيين، أم فى طريقة إدارة «السولد أوت» نفسها؟

هذه ليست مشكلتى الوحيدة، لكنها أصبحت الباب الذى أدخل منه لفهم حالة المهرجان: هناك شىء ما يضيع، يتآكل، يبتعد عن جوهره.

على جانب آخر، فلقد عشنا أيامًا استمتعنا فيها بمشاهدة مجموعة جيدة من الأفلام التى نجحنا فى الفوز بتذكرة حضورها بعيدًا عن شبح «السولد أوت» فقط الأفلام التى أصبحت العنصر الأهم والوحيد فى تفاصيل صناعة مهرجان القاهرة، وكأننا أمام أسبوع لعرض الأفلام بين السينمائيين وللسينمائيين ولمن يدعون أنهم سينمائيون.



البريق المفقود

منذ سنوات قليلة بدأ بريق مهرجان القاهرة يتراجع، لكن هذا العام بدا الأمر أوضح من أى وقت مضى. المهرجان انفصل عن الشارع. لم يعد حدثًا ينتظره الناس، بل أصبح مناسبة داخلية تخصّ السينمائيين وحدهم.



اقرأ أيضًا | «القاهرة السينمائي» يمنح محمود عبد السميع جائزة إنجاز العمر بختام المهرجان


أين الاحتفال فى العاصمة؟ أين الضجة الإعلامية؟

أقسام الفن فى الصحف والمواقع تُغرقنا فى أخبار الفساتين والنميمة، بينما يتوارى الحدث السينمائى الأكبر فى مصر وكأنه شأن محدود.

حتى النجوم.. اختفى حضورهم، وتراجع بريق الافتتاح والختام، وباتت مشاركتهم باهتة، وكأن هناك خوفًا غير معلن من الظهور أو من الاحتكاك بجمهور المهرجان.

ومع هذا، نرى إدارة المهرجان تحتفى بضم فيلم جيد أو استضافة مخرج معروف داخل الدوائر السينمائية، وكأنها انتصارات كبرى… بينما ينسون أن المهرجان فى الأساس للناس، لا لمجموعة مغلقة من أهل الصناعة.

ورغم شعار «السولد أوت» الذى أزعم أنه ناتج عن سوء إدارة لنظام حجز التذاكر، إلا أن المهرجان انفصل كليًا عن الشارع والجمهور وحتى عن نجوم السينما الذين بدوا وكأنهم يتحاشون الظهور فى حفلى الافتتاح والختام وكذا الفاعليات هذا العام «تحديدًا» خوفًا من شىء ما!




مجهود كبير.. وموارد محدودة

لا أحد ينكر الجهد المبذول من إدارة المهرجان برئاسة حسين فهمى؛ الرجل بذل جهدًا واضحًا لجلب رعاة وإنقاذ ميزانية الدورة. كما أن الفريق الفنى الشاب يملك معرفة سينمائية واسعة وعلاقات مهمة.

لكن الحقيقة أن كل هذا لا يكفى حين لا تمتلك المهرجانات المحلية أدوات المنافسة العالمية.

اليوم أصبح مهرجان القاهرة يعتمد على عراقة اسمه فقط.. فهل يكفى ذلك للبقاء فى المنافسة؟

سؤال مؤلم… لكنه واجب.

البحث عن فيلم مصرى

الأزمة لا تتعلق بالبريق فقط، بل بالحضور المصرى نفسه.

هذا العام غاب الفيلم المصرى تقريبًا عن مسابقات المهرجان، باستثناء «بنات الباشا» وعدد قليل من الأفلام القصيرة.

والسبب؟

السينما المصرية الآن منقسمة بين موجة من الأعمال التجارية السريعة، ومشاريع فنية تواجه شحّ التمويل وتبحث عن فرصة فى المهرجانات الدولية قبل المحلية.

حتى الدعاية للمهرجان لم تكن بحجم الحدث. لا حملات مبهرة، ولا زخم على السوشيال ميديا، ولا حضور جماهيرى حقيقى.

على جانب آخر لا يمكن أن ننكر محاولات المهرجان لإحداث تأثير حقيقى فى الصناعة من خلال «أيام القاهرة للصناعة» هذه المنصة التى تمثل منذ سنوات جسرًا رابطًا بن المواهب الباحثة عن فرص الإنتاج وبين الصُناع ومصادر التمويل.

لكن الملتقى وحده لا يبنى مهرجانًا. ننتظر الإعلان عن النتائج الفعلية:

من حصل على الدعم؟

من وجد شريكًا إنتاجيًا؟

من تحولت فكرته إلى مشروع؟

الأسئلة كثيرة... والإجابات لم تظهر بعد.


يواجه مهرجان القاهرة السينمائى منافسة شرسة محليًا وخارجيًا، مهرجانات شرقًا تبلغ ميزانية الدورة الواحدة منها ملايين الدولارات، ومهرجانات أخرى غربًا تملك شبكات من العلاقات الدولية والدعم السياسى ما يجعلها حاضرة بقوة، حتى مهرجان الجونة بميزانيته الضخمة وورقة الترويج السياحى يملك قدرة على استقطاب النجوم وصنع حالة إعلامية بسهراته وحفلاته قبل أفلامه الجيدة بالفعل.

أمام هذا كله… ما الذى يملكه القاهرة؟


اسم تاريخى.

وأفلام جيدة… أحيانًا.

وجهود شبابية… دائمًا.

لكن هل هذا يكفى؟

الأفلام.. أجمل ما تبقى!

ورغم كل شىء، ينجح المهرجان كل عام فى تقديم مجموعة من الأفلام اللامعة.. هذا العام كانت إحدى أجمل اللحظات بالنسبة لى أثناء مشاهدة فيلم «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح.

فيلم تسجيلى لكنه محمل بذاكرة شخصية عميقة مشحونة بالحنين والشجن، يربط بين صور العائلة القبطية المصرية فى أسيوط ومشاهد يوسف شاهين، وصولًا إلى شقة صغيرة فى باريس. فيلم صُنع على مدار عشر سنوات كما قال مؤلفه ومخرجه حيث بدأ الاعداد له بعد وفاة والدته فى 2014... وهذا وحده كافٍ لاحترامه.

ثم جاءت مفاجأة «آخر المعجزات» لعبد الوهاب شوقى، الفيلم القصير الممنوع سابقًا من العرض، والذى عاد للحياة بقرار من الرقابة.

الفيلم مأخوذ عن رواية نجيب محفوظ ويتناول قصة صحفى أربعينى يتلقى مكالمة هاتفية من أحد شيوخ الطريقة الصوفية فيلبى النداء ويدخل هذا العالم لتتطور الأحداث ليكتشف أن كل ما كان يعيشه فى هذه الرحلة مجرد «مزحة» وأن الشيخ متوفى.. كشف الفيلم عن مخرج يملك عينًا سينمائية مبهرة وكادرات مرسومة بالضوء والخيال.

وكذلك الفيلم المغربى «زنقة مالقة» الذى حصد إشادات واسعة، وقد يكون مرشحًا قويًا للهرم الذهبى.

150 فيلمًا تقريبًا عرضها المهرجان عبر 11 مسابقة وبرنامجًا مختلفًا وهو رقم ضخم مقارنة بإمكانيات المهرجان، وهو ما يبشر بأن مهرجان القاهرة مازال حيًا صامدًا قادرًا على المنافسة ولكن هل تكفى الأفلام والاسم العريق لصناعة البريق ومزاحمة المنافسين؟