«القاهرة ٤٦».. المهرجان الأعرق يُجدد شبابه

مهرجان القاهرة السينمائى
مهرجان القاهرة السينمائى


منذ الأربعاء الماضى، والقاهرة تبدو وكأنها ترتدى ثوبًا من الوعى بالجمال. المدينة التى تحاصرها الزحام والضوضاء على مدار العام، تستعيد فجأة لغتها الأولى: لغة الضوء، والصالات، وتلك الطقوس التى تُعيد تعريف علاقتنا بالسينما.

مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته السادسة والأربعين يقدم حالة تمتزج فيها دهشة العروض الأولى بنبض الشوارع المحيطة بالأوبرا، وكأن المكان كله يتحول إلى شاشة واسعة تستقبل العالم.

اقرأ أيضًا| إلهام عبد البديع تتألق بعودتها للقاهرة السينمائي بعد غياب طويل | صور

اللافت فى دورة هذا العام هو حضور السينما المصرية بنبرة واثقة ومتنوعة. لا يقف المشهد عند «بنات الباشا» و«آخر المعجزات» فقط، فكلاهما يحمل بصمة خاصة، بل يمتد أيضًا إلى أعمال أخرى، مرورًا بعدد من الأفلام القصيرة التى تعكس رغبة جيل جديد فى مساءلة الواقع، وتحويل التفاصيل اليومية إلى موضوعات قادرة على التعبير عن اللحظة المصرية بكل تعقيداتها. هذه المجموعة لا تبدو كأنها وُضعت لإكمال الصورة، بل كصيغة حقيقية لحضور مصرى واعٍ ومنافس داخل برنامج دولى متعدد الأصوات.

لكن جوهر الدورة لا يظهر فى الأفلام وحدها، بل فى البنية البشرية التى تدير المهرجان. فالكوادر الشابة التى تعمل فى لجان المشاهدة والاختيارات الفنية ليست وجوهًا طارئة. لقد بنت خبرتها عبر سنوات، ومرّت بمراحل متراكمة من التعلم والاحتكاك، قبل أن تصل اليوم إلى مواقع أكثر تأثيرًا ومسئولية. هذه اللحظة بالتحديد لم تكن لتتحقق لولا الدعم الواضح من الفنان حسين فهمى، رئيس المهرجان، الذى اختار أن يضع خبرته الطويلة فى خدمة رؤية جديدة، تقوم على توازن نادر بين حكمة التجربة ونزعة الاكتشاف التى يحملها الجيل الأصغر.

اقرأ أيضًا| "لم أكن كاتبًا".. أحمد مراد يكشف عن مفأجئة ضمن فعاليات أيام القاهرة لصناعة السينما

نتيجة هذا المزج تظهر بوضوح فى خريطة العروض، وفى نوعية الأفلام المختارة، وفى أسلوب إدارة الأيام الأولى التى تحمل دائمًا اختبارًا حقيقيًا لأى مهرجان. هناك حسٌّ بأن المهرجان لا يتكئ على تاريخه فقط، بل يعيد إنتاج قيمته فى كل دورة، عبر آليات اختيار أكثر دقة، وحسّ جمالى بات أكثر حضورًا، وتحرّر ملحوظ من الخطابات التقليدية التى تُثقل كثيرًا من الفعاليات العربية.

ما يحدث الآن داخل مهرجان القاهرة هو محاولة لاستعادة دوره الطبيعى: ليس مجرد أقدم مهرجانات المنطقة، بل منصتها الأكثر جدية ونضجًا. وفى قلب تلك المحاولة، تواصل القاهرة تقديم صورتها التى لا تتوقف عن التجدد… مدينة تعرف كيف تستقبل السينما، وكيف تستعيد نفسها من خلالها.