الوطنيــة.. انتمــاء وولاء

شــباب مصــر فـى الخارج.. وطنهــــم فــــى القلــــب والوجـدان
شــباب مصــر فـى الخارج.. وطنهــــم فــــى القلــــب والوجـدان


من يتابع المشاهد التى جرت مؤخرًا أمام بعض السفارات المصرية فى الخارج، لا بد أن يدرك أن ما يحدث لا علاقة له بالوطنية، ولا بالقضية الفلسطينية التى يتذرع بها البعض، وإنما هو فعل معادٍ للدولة المصرية، وتعبير فج عن انقطاع خطير فى مفهوم الانتماء فأن تتحول سفارات مصر فى الخارج إلى رهينة لجموع من المتآمرين، أو أن تُغلق أبوابها بالأقفال والسلاسل، أو أن يُعتدى على جدرانها بالرش والكتابة، فهذا ليس سوى عبث لا يصب إلا فى مصلحة من يتمنون إضعاف الدور المصرى التاريخى فى المنطقة، ولا يقدم أى عون حقيقى لأهل غزة الذين يزعم هؤلاء أنهم يتحركون من أجلهم.. وطنية زائفة وموقف انتهازى لا يضيف شيئا للقضية الفلسطينية.

الحقيقة الواضحة أن مصر، منذ بداية الأزمة الأخيرة، كانت وما زالت الطرف العربى الأكثر التزامًا بإيصال المساعدات إلى غزة، والأكثر تمسكًا بمبدأ وقف إطلاق النار وإنهاء المأساة الإنسانية.

اقرأ أيضًا | المصريون بفرنسا ينظمون وقفة أمام القنصلية في مارسيليا| صور


الحدود المصرية لم تكن يومًا عقبة أمام وصول الغذاء والدواء، بل كانت شريان الحياة الوحيد الذى تدفقت منه آلاف الشاحنات.

كل الأرقام والوقائع تثبت أن القاهرة فتحت معبر رفح كلما كان ذلك ممكنًا، وأن التعطيل جاء دائمًا من الجانب الآخر، حيث الاحتلال يسيطر على المعبر من الناحية الفلسطينية ويستخدمه كورقة ضغط، مانعًا دخول قوافل الإغاثة أو محددًا كمياتها وفق حسابات عسكرية وسياسية بحتة.

إن من يتعامى عن هذه الحقائق ويقرر أن يحمّل مصر وزرًا ليس من مسؤوليتها، ثم يترجم هذا الوهم إلى محاصرة سفارة أو الاعتداء على قنصلية، فإنه لا يمارس عملًا وطنيًا أو إنسانيًا، بل يشارك فى حملة تشويه متعمدة تستهدف مصر بالأساس.. والمفارقة أن هذه الأفعال لا تؤذى الدولة المصرية من الناحية المؤسسية، لأن مصر تملك ما يكفى من الثقل لتجاوز هذه الحركات العابثة، لكنها تؤذى قبل كل شيء المصريين أنفسهم فى الخارج، الذين يجدون فى السفارة ملجأهم القانونى والإدارى الوحيد؛ تعطيل عمل السفارة يعنى تعطيل مصالح آلاف الأسر (جوازات سفر متوقفة، أوراق زواج وميلاد لا تُوثّق، مشكلات قانونية لا تجد من يمثلها).. فأى وطنية هذه التى تعاقب أبناء الوطن قبل أن تقترب من الدولة؟

إنها وطنية زائفة، وموقف انتهازى لا يضيف شيئًا للقضية الفلسطينية. فهل تحرير غزة يكون عبر إغلاق أبواب سفارة مصر فى لاهاى أو نيويورك؟ وهل كسر حصار غزة يتحقق بقطع الطريق على مئات المصريين المغتربين الذين ينتظرون ختمًا أو توقيعًا؟ أم أن هذه الأفعال ليست أكثر من محاولة يائسة لإيجاد دور إعلامى مؤقت، عبر لفت الأنظار إلى مشهد صاخب يخلو من أى مضمون حقيقي؟

الحقيقة أن هذه الحملات، سواء اعترف أصحابها أم أنكروا، تصب فى خدمة خطاب معادٍ لمصر، وتتماهى مع محاولات معروفة لتنظيمات فقدت رصيدها السياسى والاجتماعى، ولم يبقَ أمامها سوى العبث الرمزى والإيحاء بالقدرة على الحشد. لكن الفارق كبير بين احتجاج مشروع يرفع لافتة ويهتف بهتاف، وبين اعتداء مادى على مؤسسات الدولة وسيادتها.. وفق القانون الدولى، السفارة ليست مبنى عاديًا، بل هى قطعة من أرض الوطن داخل بلد أجنبي؛ الاعتداء عليها هو اعتداء على مصر نفسها، ومن يشارك فيه يضع نفسه فى صف من يتجرأ على حدود الدولة وسيادتها.

الدولة المصرية، على النقيض مما يروّجه هؤلاء، لم تساوم يومًا على القضية الفلسطينية، ولم تتاجر بدماء أبنائها؛ مصر التى قدّمت آلاف الشهداء فى حروبها مع الاحتلال، واحتضنت المقاومة الفلسطينية لسنوات طويلة، ووقفت فى كل محفل دولى دفاعًا عن حق الفلسطينيين فى دولتهم، ليست بحاجة إلى شهادة من مغترب يقرر فجأة أن يغلق باب سفارة بحجة نصرة غزة.. هذه الشهادات المزيفة لا تُغير من حقيقة أن القاهرة اليوم هى الطرف الوحيد القادر على التوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهى القناة الإنسانية الوحيدة التى تدخل منها المساعدات، وهى الصوت العربى الأكثر ثباتًا فى مواجهة محاولات طمس الحقوق الفلسطينية.

ثم إن الوقوف إلى جانب فلسطين لا يعنى بالضرورة معاداة الدولة المصرية أو تعطيل مؤسساتها. بالعكس، من يريد نصرة غزة بحق عليه أن يدرك أن قوة مصر هى الرصيد الأكبر للقضية الفلسطينية، وأن أى إضعاف للدور المصرى يصب فى صالح الاحتلال.. هؤلاء الذين يغلقون السفارات أو يقتحمونها يقدمون هدية مجانية لإسرائيل؛ صورة مصرية مشوشة.

الوطنية تبدأ من الحد الأدنى؛ حماية مؤسسات الوطن وصون هيبته فى الخارج. لا أحد يطالب هؤلاء بأن يهتفوا باسم النظام، لكن من البداهة أن يدركوا أن السفارة ليست خصمًا سياسيًا، وإنما هى بيت لكل مصرى فى الغربة.