د. طلعت سلامة يكتب: إسرائيل والجيران.. أمن مفقود في وطن مستعار

طلعت سلامة
طلعت سلامة


تسعى جميع الشعوب إلى تحقيق الأمن والاستقرار، ونشر ثقافة التعايش السلمي مع الجيران، باعتبار أن علاقات حسن الجوار تمثل صمام أمان رئيسي لأمن الدول. ونرى نماذج ناجحة لذلك في العلاقات الثنائية بين دول كبرى مثل روسيا وباكستان، والتي تقوم على تعزيز التمثيل الدبلوماسي، والتبادل التجاري والاقتصادي، والتعاون الثقافي والمعرفي. وهو ما يُعد سمةً بارزة للدول السوية التي تسعى لبناء مستقبل مستقر لشعوبها.

لكن، إذا نظرنا إلى إسرائيل، نجد الصورة مختلفة تمامًا؛ فهي محاطة بجدار من القلق والخوف، تعيش في حالة استنفار دائمة، وتشعر بالتهديد من معظم دول الشرق الأوسط: تركيا، سوريا، لبنان، العراق، اليمن، إيران، مصر، وباكستان. ويبدو أن نظرية "المؤامرة الكونية" على أمن إسرائيل أصبحت هاجسًا يؤرق صُنّاع القرار في الولايات المتحدة، وأثارت عقدة الذنب التاريخية لدى ألمانيا، إضافة إلى دعم بريطاني وأوروبي يتسم بانفصال عن الواقع وغياب صوت العقل.

تاريخيًا، تعود جذور الصراع العربي الإسرائيلي إلى وعد بلفور عام 1917، وقيام دولة إسرائيل عام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني، ما أدى إلى سلسلة من الحروب والانقسامات السياسية التي جعلت إسرائيل كيانًا مرفوضًا شعبيًا في محيطه. ورغم ذلك، لم تحاول القوى الداعمة لهذا الكيان البحث عن حلول جذرية حقيقية، بل استمرت في دعمه بوصفه "وطنًا لشعب مختار"، دون مراجعة الأسس التي قامت عليها الفكرة أو التفكير في إمكانية بناء وطن حقيقي يحقق الأمن والاستقرار لجميع الأطراف.

رغم محاولات التسوية عبر اتفاقيات  أوسلو ومدريد، وغيرها  فإن مسار السلام ظل هشًا ومتقطعًا، لأنه لم يستند إلى العدالة التاريخية، بل إلى توازنات مؤقتة. وفي الوقت الذي تتوسع فيه اتفاقيات التطبيع، فإن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال ترى إسرائيل كدولة احتلال غير شرعية، وهو ما يضعف فرص القبول الإقليمي الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلًا، وإذا كانت اللوبيات اليهودية مستعدة لتحمل تكلفة حماية  "الشعب المختار"، فعليهم التفكير في حلول عملية وغير تقليدية. قد يكون أحدها إقامة "دولة  إسرائيلية" داخل البحر: عبر اقتطاع جزء من شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وتجفيف مساحة بعمق 5 كيلومترات وطول 273كيلومتر، وهي المسافة الشاطئية علي الحدود الحالية لها . ورفعها فوق مستوى سطح البحر لتكون ملاذًا محصنًا للإسرائيليين، يضمن لهم الأمن ويجنبهم الاحتكاك المباشر مع دول الجوار.

قد يبدو هذا الطرح غريبًا، لكنه أكثر واقعية من الاستمرار في فرض كيان غير مقبول شعبيًا على حساب الشعوب الأخرى. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالدعم العسكري والسياسي وحده، بل بالاعتراف بالحقوق، والعودة إلى جذور المشكلة، وتقديم حلول عادلة وشاملة.

فهل يمكن أن يستمر كيان ما في العيش وسط بحر من العداء دون أن يعيد النظر في أصل المشكلة؟ وهل يكفي الدعم الدولي لحمايته إلى الأبد، أم أن الأمن الحقيقي ينبع من الاعتراف بالحقوق لا إنكارها؟