أتوموبيل الفن

مدحت عبدالدايم يكتب: «نصر» كمال الطويل أسطورة التجليات الوطنية والرومانسية

مدحت عبدالدايم
مدحت عبدالدايم


ينتمى الموسيقار "كمال محمود زكى عبد الحميد الطويل" إلى مدرسة التجديد الموسيقى الحديثة التى نهضت دعائمها على أيدى عباقرة وأقطاب النغم فى المشرق العربى أمثال محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد القصبجي ومحمود الشريف ومحمد فوزي، ويعد إلى جانب محمد الموجي ومنير مراد وبليغ حمدي أركان الموسيقى الأربعة الذين حملوا مهمة تجديد دماء الألحان العربية، والخروج بها من إطار القوالب التركية التقليدية،  وإضافة ملامح وسمات مصرية خالصة منذ عام 1952 ولنحو خمسين عامًا، وباختفائهم تراجعت الأغنية العربية تراجعًا بلغ حافة الانهيار.

ولد بمدينة طنطا فى 11 أكتوبر 1923، وانتقل مع أسرته إلى حى الروضة بالقاهرة، وحاز دبلوم الفنون التطبيقية العليا 1942، ودبلوم المعهد العالى للموسيقى المسرحية "قسم الأصوات" 1949، ورافقه دراسته: عبد الحليم حافظ وفايدة كامل وعلى إسماعيل وأحمد فؤاد حسن، فيما دفعه العندليب إلى اقتحام مجال التلحين وحفَّزه على الاستمرار لإيمانه بقيمة ما يلحنه وبقدرته على التجديد، عمل رسامًا ومدرسًا للموسيقى، وعُيِّنَ مفتشًا للموسيقى بوزارة المعارف، ومديرًا لإدارة الموسيقى والغناء بالإذاعة 1951، بعد اعتماده ملحنًا، ويرجع إليه فضل تأسيس "أركان الموسيقى" بالإذاعة، وعمل مستشارًا فنيًا بوزارة الثقافة الكويتية 1966، واعتزل التلحين عام 1968 لست سنوات، وحاز عضوية مجلس الشعب، وأثرى السينما بالعديد من الألحان الغنائية والموسيقى التصويرية.

خواطر الطويل اللحنية تسبق عملية تأليف الكلام فى كثير من الأحيان، وهو ما حدث فى "على قد الشوق" التى صاغ كلمات مطلعها بنفسه، وأتم صياغتها الشاعر "محمد على أحمد" وبلغ بها صوت العندليب ذروة الانتشار عام 1954، وأثناء العدوان الثلاثى 1956 هرع إلى البيانو معبرًا بموسيقاه عما يجيش فى نفسه، واتصل بالشاعر صلاح جاهين واسمعه خواطره قائلًا: "لدى شعور بالغليان ولو عندى بندقية لنزلت إلى الشارع حالًا" فكتب له على تلك الأنغام: "والله زمان يا سلاحي/ اشتقت لك فى كفاحي/ انطق وقول أنا صاحي/ يا حرب والله زمان" واتصل بالسيدة أم كلثوم وسط الغارات المستمرة، فبادرته بقولها: "شوف ولاد الكلب بيعملوا إيه" وحدثها عن لحنه الجديد، فقالت: "تعال فورًا" وفى بيتها وأثناء البروفة حدثت غارة، وتم إطفاء الأنوار فيما ذهبت الست إلى الشرفة لترى الطائرات الراجمة، وتبعها الطويل محذرًا من شظايا القنابل، وإذ بها تقول بوطنيتها الصادقة: "نفسى أمسك طيارة من هذه الطائرات وأفعصها بيدي".

في عام 1958 أجريت مسابقة لاختيار النشيد الوطنى، وفوجىء الطويل بمكالمة من الأستاذ "محمد حسنين هيكل" يخبره خلالها باختيار موسيقاه  شعارًا للدولة، والفوز بجائزة مالية قدرها 5 آلاف جنيه" وفى احتفالات 23 يوليو صعد إلى المسرح لمصافحة جمال عبدالناصر، فسأله: "أعطوك فلوس السلام الوطني؟" فقال "ربنا فتحها من أوسع الأبواب" فكلف عبد الناصر عضو مجلس قيادة الثورة رئيس المجلس التنفيذى كمال الدين حسين بمباشرة صرف قيمة الجائزة، ولكنه لم يستمر فى منصبه، وتولى بعده مجلس الوزراء "على صبري" وتلقى الطويل اتصالًا من مدير مكتبه، يطلب حضوره لصرف مبلغ ألف جنيه، وكان رد الطويل إنه لا يتقاضى أموالًا على ألحانه الوطنية، وحين قص على الصحفى الكبير "محمد التابعي" ما حدث، قال: "لا تظن أن من حول عبد الناصر مثله من حيث الترفع والنزاهة" ونصحه بالمطالبة بجائزة رمزية، فخيَّره مدير مكتب "على صبري" بعد الرجوع إليه، بين سيارة من اثنتين: "نصر 1300 وثمنها 780 جنيهًا، و2300 وثمنها 1300 جنيهًا" فشكره وذهب لمقابلة الوزير المهندس "عزيز صدقي" فأحاله إلى المهندس "عادل جزارين" بشركة النصر لاستلام السيارة، وطلب منه اختيار اللون الذى يريده، وقبل أن يغادر بالسيارة، طلب منه سداد ثمنها، ووسط دهشة الطويل أفهمه أنهم اتصلوا به لاستثنائه من الدور فقط، وأمام هذا المأزق وقع شيكًا بمبلغ 780 جنيهًا وقاد السيارة وانصرف، وظل "والله زمان يا سلاحي" النشيد الوطنى إلى عام 1977، والنشيد الوطنى للعراق من 1963 إلى 1981، وكان استبداله فى مصر بنشيد "بلادي" لحن "سيد درويش" بتوجيه من الرئيس السادات، الذى كلف الموسيقار محمد عبد الوهاب بالإشراف عليه، وهو من توزيع "مختار السيد".

لحن كمال الطويل لكبار مطربى ومطربات عصره، وتميزت موسيقاه بطابعها الرومانسى، وحساسيتها المفرطة، ورقى التعبير وسمو التصوير، ومواكبة الجديد وروح العصر، كما تميزت ألحانه الوطنية بتعبيرها الجياش، وجمعها بين الحماسة والعاطفة الوجدانية الموحية، والروح الشعبية المصرية الفياضة والخالصة، وبرع فى تلحين بعض الأعمال الدينية بروح صوفية وشفافية مدهشة، ومن أشهر وأجمل تلك الألحان: "لغيرك ما مددت يدا، غريب على باب الرجاء" لأم كلثوم، و"ليه خلتنى أحبك" لليلى مراد، و"طول عمرى أحبك، قلبك راح فين، عيون الحليوة، الشوق والحب، سمارة، أسهر وانشغل أنا، كلمنى عن بكره، غريبة منسية، ع البر التانى، لو يطول البعد، عيش معايا، حمد الله ع السلامة، حسب المعاد، استناني" لنجاة الصغيرة، و"قل أدع الله، وحياة عينيك، رحلة العمر" لشادية، و"مال الهوى يامّه" لصباح، و"ياللى سامعني" لعادل مأمون، و"يا دنيا غنِّي" لهدى سلطان، ولفايزة أحمد:"يا ما قلبى قالّى لأ" ولوردة الجزائرية: "بكرة يا حبيبي"، ولمحمد عبد المطلب: "الناس المغرمين" ولمحمد قنديل: "الغورية، بين شطين وميه، سمارة" ولمحمد رشدي: "أنت مين، يا قمر يا اسكندرانى، اختار لك صاحب للزمان" ولشكوكو: "والنبى يا جميل زعلان من إيه، أقسم لك بشرفي"، ولعفاف راضي: "مصر هى أمى، حبك أصيل يا بلادى، الباقى هو الشعب" ولماجدة الرومي: "مفترق الطرق"، ولمحمد منير: "على صوتك بالغنا، بره الشبابيك"، ولعبد المنعم مدبولي: "يا صبر طيب" ولحن أغانى الأوبريت الغنائى الشهير "عواد باع أرضه".

57 أغنية من عيون ألحان الطويل شدا بها صوت العندليب وشكلت وجدان الشعب العربى، أبرزها: "حكاية شعب، خلى السلاح صاحى، مطالب شعب، يا جمال يا حبيب الملايين، احنا الشعب، المسؤولية، بالأحضان، بلدى، صورة، يا أهلا بالمعارك، ابنك يقولك يا بطل، أحلف بسماها، ناصر يا حرية، صباح الخير يا سينا، الحلو حياتى، هى دى هى، جواب، راح، اسمر يا اسمرانى، بيع قلبك، بينى وبينك إيه، حلفنى، صدفة، فى يوم من الأيام، بعد إيه، أبو عيون جريئة، بتلومونى ليه، فى يوم فى شهر فى سنة، الحلوة، بلاش عتاب" يقول حليم: "لو شاء كمال أن يلحن كل أغنية من أغنياته عشر مرات، لكانت كل محاولة أجمل من السابقة" لذا حظى بتكريم الدولة فى أكثر من محفل، وحصل على وسام الجمهورية للآداب والفنون من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت وفاته في 9 يوليو 2003.