100 فتوى حول حقوق وواجبات العامل فى الإسلام

مفتي الجمهورية
مفتي الجمهورية


تزامنًا مع احتفاء العالم بـ يوم العمال وإسهاماتهم الجليلة فى تقدم الشعوب والمجتمعات، والذى يوافق الأول من مايو من كل عام، أكد المؤشر العالمى للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم فى تقرير له، من خلال رصد وتحليل (100) فتوى صدرت من قِبل مؤسسات رسمية وعلماء بارزين أن الإسلام حثَّ على العمل والسعى من خلال عمارة الأرض، واتخاذ الأسباب المشروعة الكافلة للعيش عليها، وحذر من التكاسل فى العمل والاتّكال على الآخرين.

وأوضح مؤشر الفتوى أن عينة الفتاوى التى تم رصدها وتحليلها تمحورت حول خمسة محاور متقاربة النسب إلى حد بعيد، وهى على الترتيب: المحور الأول (احترام إنسانية العامل والإحسان له) وجاء بنسبة (28%) من جملة فتاوى حقوق العاملين بالعينة، و(عمل المرأة وضوابطه وذمتها المالية) بنسبة (24%)، أما المحور الثالث تناول (التعجيل فى دفع راتب وأجرة العمال) وجاء بنسبة (22%)، ورابعًا برز محور (حق العمال فى الضمان الاجتماعي) بنسبة (18%)، وأخيرًا جاء محور (أطر العلاقة بين صاحب العمل والعامل) بنسبة (8%).
 أبرز الفتاوى
أكد مؤشر الفتوى فى تقريره أن الإسلام سبق النظم والقوانين الوضعية فى إرساء قواعد العدل والإنصاف فى التعامل مع العمال، وكفل لهم حقوقًا تحفظ كرامتهم وتصون جهدهم، مبينًا أن أبرز هذه الحقوق، كما تضمنتها الفتاوى الرسمية: احترام إنسانية العامل بحسن معاملته والإحسان إليه، وذلك انطلاقًا من مبدأ إسلامى عريض هو ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) فقد بيّن مضمون الفتاوى أن الإنسان فى الإسلام له كرامته وحُرمته، دون النظر إلى لونه أو عِرقه أو طبيعة عمله؛ وهنا تتجلى عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى معاملته العمال أو الخدم، فهذا خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضى الله عنه يقول:» خدمت النبى صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا لم صنعت، ولا ألا صنعت«. (متفق عليه)
وكذلك فقد أكدت الفتاوى على ضرورة عدم تكليف العامل بما لا يستطيع، ومنها فتاوى دار الإفتاء والأزهر الشريف التى أوضحت أنه يجب أن يوفر صاحب العمل بيئة عمل آمنة وصحية للعامل، وأن يراعى فيها راحته وسلامته، ولا يجوز تكليف العامل بما لا يطيق من الأعمال المرهقة أو التى تعرّض صحته للخطر، وقد شددت فتوى لدار الإفتاء المصرية على حق العامل فى العلاج على نفقة صاحب العمل فى حال الإصابة أثناء العمل.
وحول (التعجيل فى دفع أجرة العامل) استدلت الفتاوى بقول النبى صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) (أخرجه ابن ماجه)، مبينةً أن أنه لا مجال لأكل أموال الناس بالباطل ولا التأخير فى إعطاء الأجور لمستحقيها، كما استدلت أيضًا بحديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». (رواه البخاري).
كما لفتت الفتاوى إلى (ضوابط وحكم عمل المرأة وحقوقها)، فأكدت دار الإفتاء المصرية أن الشريعة الإسلامية لا تمانع عمل المرأة والأصل فيه أنه مباحٌ طالما كان متناسبًا مع طبيعة المرأة، ويتحقق معه التزامها الدينى والأخلاقى وأمنها على نفسها وعرضها ودينها حال قيامها به.
وحول هذا الأمر أكد الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف ضرورة إحياء فتوى «حق الكد والسعاية» من تراثنا الإسلامي؛ لحفظ حقوق المرأة العاملة التى بذلت جهدًا فى تنمية ثروة زوجها، خاصة فى ظل المستجدات العصرية التى أوجبت على المرأة النزول إلى سوق العمل ومشاركة زوجها أعباء الحياة.
ولم تغفل الفتاوى عن التأكيد على أن للمرأة ذمة مالية مستقلة، فقد أكد أ. د. نظير محمد عيَّاد، مفتى الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم على أن الإسلام أقر للمرأة ذمة مالية مستقلة، وهو حقٌّ ثابت لها فى التملك والتصرف فى أموالها دون تبعية للرجل، سواء كان أبًا أو زوجًا أو أخًا.

وشدد المفتى على أن استقلال المرأة ماليًّا لا يعنى القطيعة بين الزوجين أو التخلى عن مبدأ المودة والرحمة، بل يجب أن يكون ذلك فى إطار العلاقة التكاملية التى تقوم على التعاون والتفاهم بين الطرفين، وفق ما قررته الشريعة الإسلامية لضمان الاستقرار الأسرى والمجتمعي.
وأخيرًا رصد مؤشر الفتوى بعض الفتاوى التى اعتبرت أن توفير نوع من الضمان الاجتماعى للعاملين، مثل التأمين ضد البطالة أو العجز أو الشيخوخة، يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية فى التكافل والرعاية الاجتماعية، وهنا أجازت الفتاوى الاشتراك فى صناديق التأمين الاجتماعى التعاونية التى لا تشتمل على محاذير شرعية، كالربا والغرر، وتكون قائمة على مبادئ التكافل والتضامن.
كما تناولت الفتاوى عدم مشروعية استغلال صاحب العمل للعامل فى تنفيذ مصالحه الشخصية كما لا يجوز للعامل استغلال أوقات العمل أو أدواته لمصلحته الخاصة بحجة تحصيل حقه.
 واجبات العامل
ولفت المؤشر العالمى للفتوى إلى أنه كما كفل الإسلام حقوق العامل، فقد أوجب عليه واجبات تضمن سير العمل بانتظام وتحقيق المصالح المشتركة، وأظهر تحليل الفتاوى أن أولى هذه الواجبات: الأمانة والإخلاص فى العمل، وجاء بنسبة (34%) من بين جملة الفتاوى الرسمية المتعلقة بواجبات العمال، تلاه فى الترتيب الثانى موضوع (إتقان العمل وإحسانه) وذلك بنسبة (25%). أما موضوع (الالتزام بتعليمات صاحب العمل المشروعة) فجاء ثالثًا من بين موضوعات فتاوى واجبات العمال وذلك بنسبة (22%)، وفى الترتيب الرابع والأخير جاء موضوع (المحافظة على أسرار العمل وممتلكاته) بنسبة (19%).
وحول موضوع (الأمانة والإخلاص فى العمل) أكدت الفتاوى أنه يجب على العامل أن يكون أمينًا فى أداء عمله، مخلصًا فيه، حريصًا على مصلحة صاحب العمل والمؤسسة التى يعمل بها، ومن ذلك فتوى دار الإفتاء التى ورد فيها أن «العامِل مُؤتمَنٌ على العمل الذى كُلِّف به وفُوِّض إليه، وعدم تأديته إياه على الوجه المطلوب منه مع أخذه الأُجرة عليه هو أمر محرَّم شرعًا».
وحول موضوع (إتقان العمل وإحسانه) بيّنت فتوى الأزهر الشريف أن إهمال العمل والتقصير فيه يُعدُّ مِن جُملة الغِشِّ والـمَكْر والخِدَاع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وأشارت الفتوى إلى أن هذا الحديث يدل على وجوب الجودة والإتقان فى كل عمل يقوم به المسلم، سواء كان دنيويًّا أو أخرويًّا. كما أظهرت فتاوى (الالتزام بتعليمات صاحب العمل المشروعة) أنه يجب على العامل طاعة الأوامر والتوجيهات التى تصدر من صاحب العمل ما دامت لا تخالف الشرع والقانون، وفى حدود ما تم الاتفاق عليه فى عقد العمل، ففى فتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، أكدت أن تقاضى الموظف أو العامل راتبًا عن عمل لا يقوم به يُعدُّ أكلًا للمال بالباطل، وهو محرم شرعًا. واستشهدت الفتوى بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا». وأوضح مؤشر الفتوى أن العديد من الفتاوى رسّخت لمبدأ المحافظة على أسرار العمل وممتلكاته، حيث بينت أنه لا يجوز للعامل إفشاء أسرار العمل أو إساءة استخدام ممتلكاته أو تبديدها، ووجهت فتاوى أخرى بأن التقصير فى العمل والتقاعس عنه وأخذ الرشوة القليلة هو من الفساد، وبرغم كونه فسادًا صغيرًا، فقد يؤدى لخلل كبير فى المجتمع يقترب من الفساد الكبير.
العمل فى الإسلام
وفى نهاية تقريره كشف مؤشر الفتوى أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أوليا اهتمامًا بالغًا بالعمل والعمال، حيث وردت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المطهرة التى تحث عليه، وتبيّن فضله، وتوضح أهميته فى حياة الفرد والمجتمع. يقول الله تعالى فى كتابه العزيز: {هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15) فهذه الآية الكريمة تدعو الإنسان إلى السعى والكد والضرب فى مناكب الأرض طلبًا للرزق، وتجعل ذلك من مقتضيات الخلقة وهدف الوجود. 
أما السنة النبوية، فقد تجلت فيها قيمة العمل فى أقوال وأفعال النبى صلى الله عليه وسلم، فقد روى عنه أنه قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبى الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». ولا شك أن هذا الحديث الشريف يوضّح أن أفضل أنواع الكسب هو ما كان من عمل الإنسان وسعيه، ويضرب مثالًا بنبى الله داود، عليه السلام، الذى كان ملكًا نبيًّا ومع ذلك كان يعمل بيده.
كما حث النبى صلى الله عليه وسلم على إتقان العمل وإحسانه، فقال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وهذا التوجيه النبوى يشمل جميع أنواع الأعمال، سواء كانت يدوية أو فكرية، ويؤكد ضرورة الجودة والإخلاص فى أداء الأعمال، كلٌّ بحسب عمله.