يمثل حل اتفاق التعاون العسكرى بين تشاد وفرنسا نهاية نفوذ فرنسا فى منطقة الساحل، حيث كانت تشاد آخر نقطة لتواجد النفوذ الفرنسى فى المنطقة، بعد أكثر من ستة عقود، ظلت تشاد خلالها حليفًا حاسمًا للقوات الفرنسية فى عمليات مكافحة التمرد فى منطقة الساحل، لكنها فقدت نفوذها بسبب الأخطاء المتكررة، فحسب عدد من المتابعين وضعت باريس مصالحها فى المقام الأول لعقود من الزمان، واعتقدت أنه يمكن الحفاظ على الاستقرار من خلال التدخلات العسكرية، وتجاهلت عوامل محلية حاسمة مثل التاريخ والدين واحتياجات السكان المحليين.
وتدرك الحكومة الفرنسية الأهمية الاستراتيجية لتشاد، لهذا أعلن مسئول بوزارة الخارجية الفرنسية فى سبتمبر الماضى: «لا يمكننا أن نتحمل خسارة تشاد». ومع ذلك، فقد حدث ذلك.
اقرأ أيضًا | إسرائيل.. جاء وقت الحساب جنود الاحتلال فى انتظار محاكمات دولية
تعد تشاد حلقة جديدة فى عقد ينفرط فقبل ساعات قليلة من إعلان أنجمينا قرارها، دعا باسيرو ديوماى فاى رئيس السنغال لإغلاق القواعد العسكرية الفرنسية فى بلاده، وذلك انعكاسا لإجراءات مماثلة فى النيجر وبوركينا فاسو ومالى فى الآونة الأخيرة.
وكانت فرنسا قد اعتمدت على «الاتفاقيات الاستعمارية» مع مستعمراتها السابقة للسيطرة على سياساتها النقدية واتفاقيات الدفاع، مما حد من سيادة هذه الدول، وهو الأمر الذى يؤكده تصريح عبد الرحمن كلام الله وزير خارجية تشاد بأن إنهاء هذه الاتفاقيات الدفاعية يعنى استعادة السيادة.
حيث كانت القوات الفرنسية متمركزة فى تشاد بموجب اتفاق دفاعى لعقود من الزمن. وإنهاء هذا الاتفاق يكسر اتفاقًا طويل الأمد بين البلدين.
ووصف ديبى رئيس تشاد الاتفاق بأنه تأسس فى عصر مختلف، مع ظروف وجهات فاعلة مختلفة، وقد عفا عليه الزمن الآن.. وكان السبب الآخر الذى قدمه ديبى لإنهاء الاتفاق، هو أن هذا الاجراء يفى بوعد قطعه فى 23 مايو الماضى -اليوم الذى أدى فيه اليمين الدستورية كرئيس مدني- مما يمثل انتقال بلاده من الحكم العسكرى إلى القيادة المدنية.
وقد يكون الدفع لتحقيق هذا الوعد مرتبطًا بمشاعر معادية لفرنسا على نطاق واسع فى إفريقيا، فضلاً عن مطالبات من منظمات الحريات المدنية وأحزاب المعارضة فى تشاد بإنهاء الاتفاق العسكري.
وربما جاء مقتل أكثر من 40 جنديًا تشاديًا مؤخرًا على يد جهاديى بوكو حرام فى هجوم على قاعدة عسكرية ليكون محفزا جديدا للقرار.. حيث انتقد مامادو دوديه، أحد زعماء المعارضة، القوات الفرنسية لفشلها فى مساعدة تشاد أثناء الهجوم، قائلاً إنه لم تكن هناك حاجة لوجود هذه القوات.
وأكد ديبى على هذا الشعور، وقال إن الاتفاق لم يجلب أى فائدة كبيرة لتشاد فى مواجهة تحديات مثل الهجمات الإرهابية.. وفى تصريحات ذات صبغة دبلوماسية أكد وزير الخارجية التشادى أن فرنسا تظل «شريكًا أساسيًا»، ولكن يجب التعامل مع بلاده كدولة ذات سيادة «غيورة جدًا على سيادتها». الحديث حول السيادة كان موضع تركيز الرئيس السنغالى بدوره، عندما شدد على أن بلاده دولة مستقلة؛ وأنها ذات سيادة ولا يُقبل وجود قواعد عسكرية فى دولة ذات سيادة.
إن نهاية اتفاقية الدفاع بين تشاد وفرنسا تثير تساؤلات حول التوجهات المستقبلية لأنجمينا، وما يعنيه هذا للمنطقة. إنه يمثل تحولاً بعيدًا عن النفوذ الغربى المباشر فى منطقة الساحل، ويخلق فرصة لقوى عالمية أخرى تتطلع إلى توسيع وجودها فى المستقبل.. فعندما تغادر القوات الفرنسية تشاد فى غضون الأشهر المقبلة، قد يمثل ذلك نهاية النفوذ الفرنسى والغربى المباشر فى منطقة الساحل.
وتسعى تشاد إلى إيجاد شركاء جدد، لكن من غير المرجح أن تكرر اتفاقية الدفاع القديمة مع فرنسا مع دولة أخرى، وقد تسعى إلى إشراك العديد من الشركاء الرئيسيين لتجنب التأثير غير المبرر من أى شريك واحد.. فقد تعزز تشاد التعاون العسكرى مع مالى والنيجر وبوركينا فاسو، أعضاء تحالف دول الساحل، لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب فى المنطقة.
وجاءت تصريحات إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا خلال الاجتماع السنوى لسفراء فرنسا فى العالم، كرد فعل على إنهاء تواجدها فى دول الساحل الإفريقي، حيث اتهم فيها دول الساحل بأنها «لم تشكر» بلاده على الدعم الذى قدّمته للقارة فى مكافحة حركات التمرد الجهادية.. وأنه لولا التدخل العسكرى الفرنسى «لما كان لأى من» هؤلاء القادة الأفارقة أن يحكم اليوم دولة ذات سيادة.
وقد أثارت هذه التصريحات استنكار كل من تشاد والسنغال، حيث أعرب بيان أصدره وزير الخارجية التشادى عن «القلق العميق عقب تصريحات ماكرون التى تعكس موقف ازدراء تجاه إفريقيا والأفارقة».، وجدد القول إنه «ليست لديه أى مشكلة مع فرنسا»، لكن فى المقابل «يجب على القادة الفرنسيين أن يتعلموا احترام الشعب الإفريقي»، وأكد أنّ «الشعب التشادى يتطلّع إلى السيادة الكاملة والاستقلال الحقيقى وبناء دولة قوية ومستقلة»، وشدد على «الدور الحاسم» لإفريقيا وتشاد فى دعم فرنسا خلال الحربين العالميتين وهو دور «لم تعترف به فرنسا أبدا»، فضلا عن «التضحيات التى قدّمها الجنود الأفارقة».. «وأضاف أنه خلال 60 عاما من الوجود الفرنسي، كانت مساهمة باريس فى كثير من الأحيان مقتصرة على مصالحها الاستراتيجية الخاصة، من دون أيّ تأثير حقيقى دائم على تنمية الشعب التشادي».
ومن جانبه ندّد عثمان سونكو رئيس الوزراء السنغالي، بتصريح ماكرون وكشف فى بيان أنّه لولا مساهمة الجنود الأفارقة فى الحرب العالمية الثانية فى تحرير فرنسا من الاحتلال النازى «لربما كانت فرنسا اليوم لا تزال ألمانية»، وأشار إلى خطأ تصريحات ماكرون، وقال: «لم يتمّ إجراء أيّ نقاش أو مفاوضات حتى الآن، والقرار الذى اتّخذته السنغال بإنهاء أى وجود عسكرى فرنسى على أراضيها نابع من إرادتها الوحيدة، كدولة حرة ومستقلة وذات سيادة»، وأضاف سونكو أن «فرنسا لا تمتلك القدرة ولا الشرعية لضمان أمن أفريقيا وسيادتها.
بل على العكس من ذلك، فقد ساهمت فى كثير من الأحيان فى زعزعة استقرار بعض الدول الأفريقية مثل ليبيا، ممّا أدّى إلى عواقب وخيمة لوحظت على استقرار وأمن منطقة الساحل».
الأمم المتحدة : الإبادة الجماعية استراتيجية إسرائيل فى غزة
3 أيام من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية بواشنطن
إيران: لن نسمح لـ«الطاقة الذرية» بتفتيش المنشآت النووية





