أحمد عطية صالح يكتب: البابا والرئيس.. لقاءات من المحبة .. وسنوات من الأمل

الرئيس السيسي والبابا تواضروس
الرئيس السيسي والبابا تواضروس


مازالت كلمات البابا محفورة فى قلب كل مصرى أثناء أحداث يناير «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن» و«كل دول العالم فى يد الله ولكن مصر فى قلب الله.. لذا أنا مطمئن على مصر».

وما أكثر المواقف التى يتذكرها كل مصرى للبابا الأول عند الاعتداء الغاشم على الكاتدرائية فى 7 يناير 2013 وهو ما لم يحدث أبداً فى تاريخ الكنيسة القبطية.

هكذا رفع لواء الوطن فوق كل شىء حتى الكنائس ليؤكد أن الكنيسة القبطية مؤسسة وطنية وأن الوطن هو الأغر والأعلى والأبقى.

كذلك أنه فى مطلع عام ٢٠١٣ وفى قمة أزمة مصر فى زمن الإخوان طلب عدد كبير من المسئولين بالسفارة الأمريكية زيارة البابا.. ولكن قداسة البابا الوطنى.. رفض وبشدة أية زيارة من هذا النوع والأوضاع كانت متوترة وكانت الرغبة واضحة لاستغلال الأقباط فى الأحداث.. والكنيسة المصرية كنيسة وطنية لا تنغمس أبداً فى السياسة.

واستمر تصاعد الأحداث وازداد الغضب الشعبى والذى بدأ التعبير عنه واضحاً فى شكل الاعتداء على مقر جماعة الإخوان بالمقطم وهنا كان الاعتداء على الرمز فى عقر دارهم.

اقرأ أيضًا | وزير الدفاع يشهد المشروع التكتيكى بجنود « قاهر- 3» بشرق القناة

يقول البابا تواضروس: فى وسط هذه الأزمة المحيطة بالوطن عام ٢٠١٣ عام الاخوان.

 تلقيت دعوة من وزارة الدفاع والفريق أول عبدالفتاح السيسى لزيارة وزير الدفاع، وقد قمت بتشكيل وفد مكون من ثلاثة أشخاص أبلغتهم بذلك فقالوا: لماذا ثلاثة فقط، فرفعت العدد لخمسة، فطلبوا زيادة العدد فرفعته إلى سبعة، فطلبوا زيادة العدد فوصلنا إلى 12 شخصاً، وأخذت معى كل أطياف الكنيسة واتجهنا إلى وزارة الدفاع وكنا مدعوين لمدة نصف ساعة فامتد اللقاء لأكثر من ساعتين وقوبلت بحفاوة كبيرة ودارت مناقشات قوية للغاية عن مستقبل الوطن واستشعرت أنه كانت هناك رغبة كبيرة فى التعرف على البطريرك الجديد والأحاديث كافة التى دارت فى هذا اللقاء لم تكن أبداً بصيغة طائفية ولكنها بصيغة وطنية.

ما أسعدنى جداً فى هذا اللقاء وطمأننا إلى حد كبير أن الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع آنذاك كان حاضر الذهن بشكل لافت جداً فكان حديثه دوما بالأرقام.

المهم أننى خرجت من هذا اللقاء بطمئنينة وكنت أحدث نفسى قائلاً: الحمدلله مازال هناك من يخافون على الوطن.

ويستكمل البابا..
بعد انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيساً للجمهورية لشهور قليلة، ومع مطلع 2015 بدأ المصريون يتنفسون الصعداء ويشمون رائحة الأمل فى كل مكان فقد تخلصت مصر من حكم الإخوان بلا رجعة وأصبح لدينا رئيس منتخب لكل المصريين.

ويقول البابا تواضروس الثانى: بدأ عام 2015 بأمر سعيد وغير مسبوق فى مصر وهو ولأول مرة فى تاريخ مصر يزور رئيس مصر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لتقديم التهنئة أثناء قداس عيد الميلاد المجيد.

ويضيف: مازلت أذكر كل تفاصيل هذا اليوم وأذكر هنا للتاريخ فلم يكن لنا علم مسبوق ولا إبلاغ رسمى بأن السيد الرئيس سوف يزورنا فى هذااليوم، ولكن كنت أشعر أن شخصية مهمة ستزورنا فقد طلب منا الأمن إخلاء المدرج وهو المكان فى أعلى نقطة تجلس فيه الناس بالكنيسة حينما يكتمل العدد بالأسفل والقداس لدينا يكون على جزئين: خارج الهيكل، والثانى بداخله.

وما أن انتهيت من الجزء الأول حتى أخبرونى أن سيادة الرئيس بالخارج ودخل بالفعل السيد الرئيس من باب جانبى وكانت فرحة كبيرة وصفق الجميع وسمعنا الزغاريد والهتافات لدرجة أن السيد الرئيس كان كلما تكلم ازداد الهتاف وهكذا.

قال الرئيس فى كلمته: «أوجه كل التحية لكم وكل عام وأنتم بخير وسنة سعيدة علينا كلنا.. السنة القادمة نحتفل بمرور خمسين سنة على إنشاء الكاتدرائية وأنا هنا فى بيت من بيوت ربنا ادعو الله أن يحفظ مصر وأمن مصر».

وفى لفتة كريمة أهدانى الرئيس باقة زهور بيضاء تذكاراً وتحية للشهداء والمصابين.

عمر هذه التهنئة والزيارة زمانياً اثنى عشر دقيقة، وهنا يحكم الزمان ولكن بحكم الأثر فقد كانت لا متناهية فقد كان لهذه الزيارة والتهنئة الأولى بالغ الأثر ليس لدى الأقباط فحسب بل لدى جموع المصريين، والرئيس هو رئيس مصر ورئيس كل المصريين وأن يكون ظهوره فى مطلع العام مع أعياد الميلاد فلذلك دلالة كبيرة لاحتواء الجميع وعدم الإقصاء.. ثم كلماته التى خرجت من القلب حينما قال: «كلنا واحد وطول ما احنا واحد منخفش».

وهذه رسالة أخرى وجهت للعالم، فقبل شهور قليلة كان محيط الكاتدائية مسرحاً لأصوات عنف شديدة واعتداء غير مسبوق على الكاتدرائية ومن هنا فإن ظهور الرئيس بشكل مفاجئ هكذا بعث برسالة إلى العالم أجمع أن بلادنا آمنة ومستقرة.

ومع بداية عام 2016، وكالعادة نبدأ العام مستبشرين خيراً بعيد الميلاد.. وإذا بالسيد الرئيس يؤصل لعادة جميلة هى حضوره بنفسه لقداس عيد الميلاد وتقديم التهنئة، والحقيقة أن شعب الكنيسة يستشعر صدق التهنئة ويقدرها.

أكبر مسجد وكنيسة
ويتذكر قداسة البابا زيارة سيادة الرئيس عام 2017، ويقول مع بداية هذا العام كانت الإرادة السياسية مشغولة فى بناء مصرالجديدة من خلال إعلان رئيس الجمهورية عن إنشاء أكبر مسجد وكنيسة بالعاصمة الإدارية وأن الصلاة ستكون عام 2018 فى أكبر كنيسة بالعاصمة الإدارية.

وكانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لى.. ففى أيام الأعياد تكون هناك بروتوكولات واستقبالات وطقوس تجعلنى إلى حد ما مشدوداً، وفى هذا العام 2017 أصبح وجود الرئيس بيننا عادة ونعرف بها مسبقاً ولها ترتيبات، وتم الاتفاق مع الرئاسة على انتظار السيد الرئيس الساعة الثامنة والنصف.

ويصحبنى الآباء والأساقفة لتدخل سويا وقد حدث بالفعل وحينما اصطحبت الرئيس من مدخل الكاتدرائية أخذت أشرح له باختصار وأشرت إلى معهد الدراسات ومكان الكنيسة البطرسية التى حدث بها التفجير الإرهابى، وأشرت إلى السقالات التى تملأ المكان لأننا كنا بصدد تجديد الواجهات كافة وأخبرت سيادته أننا العام القادم 2018 سنحتفل بمرور خمسين عاماً على بناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وفى هذه اللحظة علق الرئيس مبتسماً وقال لى: سأعلن مفاجأة بالداخل، ودخلنا بالفعل الكاتدرائية ولمكان الصلاة وسط الترانيم والهتافات وعدد كبير من المصلين والحضور، ثم تحدث البابا مهنئاً الحضور بالعام الجديد وبمناسبة أعياد الميلاد، وأعلن عن بناء أكبر مسجد وكنيسة بالعاصمة الإدارية وأنه أول المتبرعين لبنائها وقال سنصلى هناك العام القادم إن شاء الله.

ويضيف: بصدر سعادتى بهذا الإعلان وتوقيته واختيار أن يكون من الكاتدرائية التى تستعد لاحتفالها بمرور 50 عاماً العام القادم، بقدر خوفى فالكاتدرائيات الضخمة فى العالم تأخذ مئات السنين وليس عاماً واحداً، فمثلاً كاتدرائية نوتردام والتى أدمى إحراقها العالم أخذت 200 عام فى بنائها ولكنى تفاءلت خيراً، وكانت المعجزة أن نصلى فى الدور الأول عام 2018.

وهَّل علينا عام 2018 بذكرى عزيزة على كل القلوب، وهى الذكرى العيد الخمسون لبناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية المكان والرمز العظيم للكنيسة القبطية.

كان افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بالقاهرة عام 1958 حدثاً ذا شأن عظيم على أرض مصر فى حبرية القديس البابا كليرس السادس ورئاسة الرئيس جمال عبدالناصر وبحضور الإمبراطور هيلاسلاسى إمبراطور أثيوبيا مع لفيف من قادة الكنائس المسيحية.

وقد صحب هذا الحدث أمران على قدر عال من العناية الإلهية وهى ظهور القديسة مريم العذراء فى كنيستها فى الزيتون بالقاهرة وفى ذات العام عودة رفات القديس مارمرقس الرسول من فينسيا بإيطاليا.

وقد قمنا بالاستعداد لهذا الحدث منذ عام 2015 من خلال تحديث ورسم الأيقونات بمشاركة فريق من ذوى الخبرة من المهندسين والفنانين والعمال.

وانتهى العمل فعلياً بالدور الأول فى يناير 2018 ليصدق وعد الرئيس ويصلى قداس عيد الميلاد الأول بالعاصمة الإدارية بالطبع لأن المكان مفتوح بالعاصمة.

ويتذكر البابا.
كان الجو شديد البرودة ورغم أن صلاتنا تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل وعلى الرغم من البرودة القارسة إلا أن أجواء العيد وفرحة إعجاز إتمام العمل فى الجزء الأكبر من كاتدرائية ميلاد المسيح، جعل الجميع فى حالة حماس وبهجة شديدتين وتجمع المصلين والضيوف بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية وانطلقوا إلى العاصمة الإدارية لتكون الكاتدرائية الجديدة وأجراسها أو بناء منصات أوشك على الانتهاء بالعاصمة الإدارية الجديدة حاملاً روح الجمهورية الجديد.

بالفعل بدأنا صلوات عيد الميلاد وكعادته حرص السيد الرئيس على الحضور مهنئاً، وسط فرحة كبيرة وهتافات عالية من الحضور، وتقدم الرئيس لنا بالتهنئة بعيد الميلاد وكذلك بالافتتاح الجزئى للكاتدرائية قائلاً: أهنئكم على الافتتاح الجزئى للكاتدرائية وهى رسالة كبيرة ليس فقط للمصريين بل رسالة سلام للعالم كله.. نحن نقدم نموذجاً فريداً للمحبة والسلام ستخرج المحبة من مصر وسيعم العالم كله غمر الخراب والقتل ما يقدر يهز الخير والسلام والمحبة والإيمان.. أحب الناس تسوق المحبة والفرحة احنا واحد ومحدش يقدر يقسمنا أبداً.. مبسوط أننا موجودين و بحفاوة الاستقبال.. وتحيا مصر بالمصريين.