عصير القلم

المصيدة ليست بعيدة عنكم

أحمد الإمام
أحمد الإمام


هناك‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الاطمئنان‭ ‬الكاذب‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬المزيف‭ ‬بالأمان‭ ‬تنتاب‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬لمجرد‭ ‬ان‭ ‬الخطر‭ ‬بعيد‭ ‬عنهم‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬مؤقتا‭ ‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬انه‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬بعيد‭ ‬اليوم‭ ‬فمن‭ ‬الوارد‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬غدا‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بديمومة‭ ‬الاحوال‭ ‬،‭ ‬فكما‭ ‬يقولون‭ ‬دوام‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬المحال‭ .. ‬وسبحان‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬الدوام‭. ‬

كلماتي‭ ‬هذه‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬غضت‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬المذابح‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬اخوتنا‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬،‭ ‬واكتفوا‭ ‬بالصمت‭ ‬لمجرد‭ ‬انها‭ ‬دول‭ ‬بعيدة‭ ‬جغرافيا‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬الصراع‭ ‬ولا‭ ‬تجمعها‭ ‬حدود‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬متوهمين‭ ‬ان‭ ‬النار‭ ‬المستعرة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وامتد‭ ‬لهيبها‭ ‬الى‭ ‬لبنان‭ ‬لن‭ ‬تقترب‭ ‬منهم‭ ‬ولن‭ ‬يعانوا‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬وتوابعها‭.‬

الخطر‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬حدود‭ ‬ولن‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬التمدد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬،‭ ‬فما‭ ‬يحاك‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الحيوية‭ ‬والمؤثرة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬تم‭ ‬طهيه‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة‭ ‬في‭ ‬مطابخ‭ ‬السياسة‭ ‬الغربية‭ ‬،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هنالك‭ ‬ان‭ ‬الطاهي‭ ‬سيرفع‭ ‬الإناء‭ ‬الذي‭ ‬اكتمل‭ ‬نضجه‭ ‬وأصبح‭ ‬جاهزا‭ ‬للأكل‭ ‬،‭ ‬وسيترك‭ ‬باقي‭ ‬الأواني‭ ‬على‭ ‬النار‭ ‬الهادئة‭ ‬حتى‭ ‬يحين‭ ‬وقتها‭ ‬ويكتمل‭ ‬نضجها‭.‬

راقت‭ ‬لي‭ ‬قصة‭ ‬متداولة‭ ‬على‭ ‬احدى‭ ‬صفحات‭ ‬السوشيال‭ ‬ميديا‭ ‬تعبر‭ ‬بقسوة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬أمتنا‭ ‬العربية‭ ‬حاليا‭.‬

تقول‭ ‬القصة‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فأر‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مزرعة‭ ‬،‭ ‬فرأى‭ ‬يوماً‭ ‬صاحبها‭ ‬يخرج‭ ‬مصيدة‭ ‬من‭ ‬صندوق‭ ‬،‭ ‬فاندفع‭ ‬الفأر‭ ‬كالمجنون‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬المزرعة‭ ‬وهو‭ ‬يصيح‭:‬‭ ‬لقد‭ ‬جاءوا‭ ‬بمصيدة‭ ‬الفئران‭ .. ‬يا‭ ‬ويلنا‭ .‬

هنا‭ ‬صاحت‭ ‬الدجاجة‭ ‬محتجة‭ : ‬تزعجنا‭ ‬بصياحك‭ ‬وعويلك‭ ‬فالمصيدة‭ ‬سيتم‭ ‬إعدادها‭ ‬لك‭ ..‬هذه‭ ‬مشكلتك‭ ‬أنت‭ ‬وحدك‭.‬

فتوجه‭ ‬الفأر‭ ‬إلى‭ ‬الخروف‭ ‬ينشد‭ ‬مساعدته‭ ‬صارخا‭: ‬الحذر‭ ‬الحذر‭ ‬ففي‭ ‬البيت‭ ‬مصيدة‭.‬

فابتسم‭ ‬الخروف‭ ‬وقال‭ : ‬يا‭ ‬جبان‭ ‬يا‭ ‬رعديد،‭ ‬لماذا‭ ‬تمارس‭ ‬السرقة‭ ‬والتخريب‭ ‬طالما‭ ‬أنك‭ ‬تخشى‭ ‬العواقب‭ ‬ثم‭ ‬إنك‭ ‬المقصود‭ ‬بالمصيدة‭ ‬فلا‭ ‬توجع‭ ‬رؤوسنا‭ ‬بصراخك،‭ ‬وأنصحك‭ ‬بالكف‭ ‬عن‭ ‬سرقة‭ ‬الطعام‭ ‬وقرض‭ ‬الحبال‭ ‬والأخشاب‭.‬

هنا‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬الفأر‭ ‬مناصا‭ ‬من‭ ‬الاستنجاد‭ ‬بالبقرة‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬له‭ ‬باستخفاف‭ : ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬مصيدة‭ ..‬وماذا‭ ‬يعنيني‭ ‬بالتأكيد‭ ‬هذه‭ ‬المصيدة‭ ‬ليست‭ ‬معدة‭ ‬لاصطياد‭ ‬الأبقار‭.‬

و‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تبين‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يهتم‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يتدبر‭ ‬أمر‭ ‬نفسه‭ ‬وواصل‭ ‬التجسس‭ ‬على‭ ‬المزارع‭ ‬حتى‭ ‬عرف‭ ‬موضع‭ ‬المصيدة،‭ ‬و‭ ‬قرر‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬مكمن‭ ‬الخطر‭ ‬ونام‭ ‬بعدها‭ ‬قرير‭ ‬العين‭.‬

وفجأة‭ ‬شق‭ ‬سكون‭ ‬الليل‭ ‬صوت‭ ‬المصيدة‭ ‬وهي‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬فريسة‭ ..‬وهرع‭ ‬الفأر‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬المصيدة‭ ‬ليرى‭ ‬ثعبانا‭ ‬يتلوى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أمسكت‭ ‬المصيدة‭ ‬بذيله‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬زوجة‭ ‬المزارع‭ ‬و‭ ‬بسبب‭ ‬الظلام‭ ‬حسبته‭ ‬فأرا‭ ‬وأمسكت‭ ‬بالمصيدة‭ ‬فعضها‭ ‬الثعبان‭ ‬فذهب‭ ‬بها‭ ‬زوجها‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬حيث‭ ‬تلقت‭ ‬إسعافات‭ ‬أولية‭ ‬وعادت‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬وهي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭.‬

قام‭ ‬المزارع‭ ‬بذبح‭ ‬الدجاجة‭ ‬لتوفير‭ ‬الشوربة‭ ‬الساخنة‭ ‬لزوجته‭.‬

وتدفق‭ ‬الأهل‭ ‬والجيران‭ ‬لتفقد‭ ‬أحوالها،‭ ‬فكان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬ذبح‭ ‬الخروف‭ ‬لإطعامهم‭.‬

ولكن‭ ‬الزوجة‭ ‬المسكينة‭ ‬توفيت‭ ‬بعد‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬السموم‭ ‬دام‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬وجاء‭ ‬المعزون‭ ‬بالمئات‭ ‬واضطر‭ ‬المزارع‭ ‬إلى‭ ‬ذبح‭ ‬بقرته‭ ‬لتوفير‭ ‬الطعام‭ ‬لهم‭.‬

و‭ ‬بذلك‭ ‬يكون‭ ‬الحيوان‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬هو‭ ‬الفأر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مستهدفا‭ ‬بالمصيدة‭ ‬وكان‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬استشعر‭ ‬الخطر‭ ‬،‭ ‬بينما‭ ‬الآخرون‭ ‬حسبوا‭ ‬أنهم‭ ‬بعيدون‭ ‬عن‭ ‬المصيدة‭ ‬فلم‭ ‬يستشعروا‭ ‬الخطر‭ ‬بل‭ ‬استخفوا‭ ‬بمخاوف‭ ‬الفأر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بالغريزة‭ ‬والتجربة‭ ‬أن‭ ‬ضحايا‭ ‬المصيدة‭ ‬قد‭ ‬يكونون‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتصورون‭.‬

خلاصة‭ ‬القصة‭ .. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كـانت‭ ‬المخاطر‭ ‬بعيدة‭ ‬عنك‭ ‬الآن‭ ‬،‭ ‬فلا‭ ‬تستخف‭ ‬بهـا‭ ‬لأنها‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬اليك‭ ‬غدا‭.‬

;