الناجون من الانتحار.. «بوابة أخبار اليوم» ترصد نماذج تغلبت على المرض النفسي

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

لم تكن وقائع الانتحار التي أفجعت قلوبنا هى الأولى أو الأخيرة من نوعها، لصراع المريض النفسي مع مرضه ومع المجتمع الذي يرفضه ولا يقبل به، وكأنه شخص منبوذ، ولا يعترف بأن المرض النفسي كباقي الأمراض العضوية، وأصبح المجتمع يساهم في جزء من مرضه، إن لم يكن هو المتسبب الأول.. 


بوابة أخبار اليوم تواصلت مع بعض الحالات التي راودتها أفكار الانتحار، ولكنها استطاعت أن تتجاوز هذه الأزمة ليتعافوا مجدداً لمواجهة الحياة تحاورنا مع الأطباء المختصين عن طبيعة المرض النفسي وكيف يتعامل المجتمع مع بوادر أعراض تنذر بالانتحار.

 

أرقام عن الانتحار


أشارت منظمة الصحة العالمية، إلى أن الاكتئاب من أشهر الاضطرابات النفسية الشائعة، حيث يعاني ما يقرب من 400 مليون شخص من جميع الأعمار من الاكتئاب على المستوى العالمى . وتعد النساء هى الفئة الأكثر عرضة  بالاكتئاب مقارنة بالرجال.

 

يتراوح عدد المصابين باضطرابات نفسية ولا يتلقون أي علاج لحالتهم في البلدان المنخفضة الدخل وتلك المتوسطة الدخل من 76% إلى 85%. 

 

ويعاني ما بين 35% إلى 50% من المصابين باضطرابات نفسية من الأمر ذاته في البلدان المرتفعة الدخل.

 

«جوزوني وانا عندي 17 سنة ...كنت طفلة وفجأه لقيت نفسي محاطة بمسئوليات أثقلتني».. وقعت السيدة س. ع (39 عام) "ربة منزل"، ضحية للزواج المبكر الذي أثقل كاهلها  بمسئوليات كبري أطاحت ببراءة الطفولة، لم يرحمها زوجها من تخفيف الحمل عليها عند إصرارها لاستكمال دراستها  بل كان عبئاً ثقيلاً عليها .. تفهمنا ذلك عندما سألناها عنه وأصاب صوتها نبرات خانقة  مفضلة  عدم الحديث عنه قائلة "يلا ربنا يسامحه".


لم تدرك أنها مصابة بالاكتئاب منذ أربع سنوات، ويشهد لها الجميع أنها زوجة مثالية وكذلك أم لا مثيل لها لأربع أبناء في مختلف المراحل التعليمية بداية من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية ، ودائماً يحتلون مراكز التفوق في دراستهم.

 


 

وعبرت بنبرات حزينة "أنا كنت شخصية مرحة واجتماعية جداً ولكن نشأت في أسرة منغلقة ومحافظة، وأغلب فترات حياتي في السعودية، ولم يسمح لنا الأهل بالاحتكاك مع الجيران أو الغرباء، وعندما عدت لمصر وتزوجت، وأنجبت وذهب أبنائي للمدارس، سمح حينها زوجي بمباشرة مهامي مع الأولاد والذهاب للمدارس الخاصة بهم لمتابعة مستواهم الدراسي، قررت أن أخلق دائرة من الأصدقاء، وكانوا أولياء الأمور لأصدقاء أبنائي في مختلف المراحل التعليمية، وسرعان ما انتابهم الغيرة نظراً لترشيح المدرسة لتولي منصب رئيس مجلس أولياء الأمور".


 
الخذلان


 
وهنا كانت الصاعقة الكبرى لها، حيث اعتادت على التعامل معهم بحب وطيبة وصفاء نيه، لم تعلم أن الغدر صفة ضمن صفات البشر، وكذلك الحقد والغيرة التي جعلت منهم أشخاص بلا أدمية ليتفننوا في النيل منها واستمرار محاولات الأذى، وصدمت فيهم جميعاً ، مما جعلها تشعر بالخذل ، ودخلت في نوبات إكتئاب واعتزلت الجميع وظلت حبيسة لغرفتها ورفضت الطعام بل ورفضت الحياة.

 

وأصبح لديها إقبال على الانتحار مرات عديدة، ووجدت عدم ترحاب من الأقارب بذهابها لطبيب نفسي، خشية من الفضيحة ، كما يظنون، ولكن شجعها والدها أن تذهب للطبيب النفسي ، فذهبت للطبيب النفسي الذي كان هو السبب الرئيسي لشفائها تماما من المرض  وممارسة حياتها بشكل طبيعي و استطاعت أن تواجه نفسها بقوة .
 

الاحتواء سيد الموقف


 
«س. ع» تقول: «المريض النفسي.. هو شخص ذكي جداً.. هو اللي فهم الحياة على حقيقتها.. و يرفضها تماما بكل ما فيها من مساوئ».


 
ومن وجهة نظرها فهي تلقة صدمت كبيرة في الأشخاص التي كانت تظن أنهم أصدقائها، وكانت ترى جميع الناس ملائكة، فهي ضحية الطيبة المفرطة ، ناصحة أن يتم التعامل مع المريض النفسي باحتواء حتى يستطيع تجاوز صدمته أو أزمته، فهو شخص عادي، «والأهم أن فترة مرضة يكون بيشوف الناس اللي بيحبها».


  
مرارة الفقد


 «فقدت والدتي.. ثم لحق بها أبي.. وكنت طفلة بحاجة لرعاية وأحتواء ولم أجده.. تعرضت لحادث أغتصاب مؤلم».. بهذه العبارات المتقطعة بدأت حديثها السيدة "ض. س" (45 عام)  رغم نجاحها في تكوين أسرة إلا أنها لم تعلم أنها تعاني من تراكمات نفسية تجاهلتها إلي أن أصبحت شبحاً يهددها ، فهي ضحية لطبيب صيدلي ذهبت له لتخبره أنها تشعر بآلام حادة في ظهرها لا تستطيع تحملها وصاحبتها تلك الآلام بعد وضع مولودها الأول بعام ونصف، وصفاً لها عقار الترامادول مسكناً للآلام ولم تدري أنها بذلك تدخل عالم الإدمان بأيدي طبيب.


 
وتستكمل أنها أصيبت بحادث سيارة في أحد الدول العربية عندما انتقلت مع زوجها، فأصيبت بارتجاج في المخ وكسر في مختلف أنحاء الجسم، واصفاً لها الطبيب عقار "ليريكا" دون أن يحذرها من الالتزام بجرعاته المحددة، استسهلت الأمر وضاعفت الجرعة كلما أشتد عليها الألم، وتسبب لها في عمل هلوسة وارتباك وتقدير خاطئ للمسافات، وعند سقوطها المفاجئ في أحد الأماكن العامة وحملها أحد أقاربها لأقرب مستشفي ، اخبرهم الطبيب أنها تناولت جرعة زيادة من المخدرات  ، كانت هذه العبارة كالصاعقة على الجميع وأولهم صاحبة الأمر.


 
المواجهة


 وعند حديث أحد الأطباء معها استمر لساعة ونصف، علم الطبيب أنها مصابة بمرض نفسي وأن لديها جذوره منذ تعرضها لحالة الفقد لوالديها، قائلة: «كنت بنظر لأي حد مدمن او بيشرب نظرة وحشة.. اكتشفت إن كلنا عندنا مشاكل نفسيه وكل واحد يفرغها بطريقته».

 

وأخبرها الطبيب أنها سوف تظل في مستشفي «الخانكة» لشهر ونصف  ولكن لم يخبرها إلا بلطف معبراً "هترتاحي من دوشة العيال شوية " ، ومرت أيام العلاج بسلام، وكانت أول خطوة أن واجهت نفسها بحقيقة مرضها وتقبلته وقررت أن تهزمه ، وأصبح يتردد لزيارتها أقاربها حينما سنحت الفرصة للزيارة ، لكنها فوجئت أنها بعد أن شفيت وسمح لها الطبيب بمغادرة المستشفي، لم يأت أحد لزيارتها، معبرة بغصة تخنق صوتها "رغم إني خرجت من المستشفى زي الطفل الصغير"، واختلفت نظرات المحيطين بها لها ، وكأن نظراتهم ترمقها بضيق ، حتى أصدقائها تخلوا عنها "عرفت إن ماليش صحاب ، بطبيعة حالي إني إجتماعية ، ومع أول اختبار حقيقي ، فضلت لوحدي »
  
ناصحة أي شخص عند شعوره بأي خلل في حياته الذهاب للطبيب النفسي ، قائلة أن فترة العلاج التي استمرت لشهر ونصف  ، هي بمثابة الإنجاز الحقيقي لها ، فقد استطاعت أن تعيد بناء شخصيتها و تتغلب علي نقاط الضعف ، فبدأت بالتغلب علي الطيبة الزائدة بالتوازن في مختلف الأمور الحياتية ، والاضطرابات تغلبت عليها واكتساب ثقتها بنفسها ، وغيرها من الصفات المكتسبة بعد رحلة العلاج.
 
 
الوصمة


ويوضح وائل فؤاد "استشاري الأمراض النفسية وعلاج الإدمان "  أن وصمة المرض النفسي في مجتمعنا بسبب أمرين ، أولهما الموروث الثقافي المغلوط ، فمنذ زمن بعيد والمجتمع يتعامل مع المريض النفسي وكأنه شخص "مجنون" ، والأمر الثاني نتج عن تشويه صورة المريض النفسي في الأعمال الدرامية، وترسيخ صورة مسيئة لدى الجمهور المتلقي.

 

وتأتي أول أعراضه هي الاضطرابات الذهانية ، الانفصام في الشخصية ، الاضطرابات الوجدانية ، كذلك التغير المفاجئ في السلوك لدى الأشخاص ، وكذلك الأفكار ، اختلاف طريقة التعبير عن المشاعر ، اللجوء للعزلة دايماً .


 
ويجب أن توجد منظومة إعلامية قوية تقدم المريض النفسي والطبيب المعالج بشكل صحيح، والتوعية لطبقات المجتمع ، ضد هذا المرض ، وكيفية التعامل الصحيح مع المريض النفسي  ، وكيفية إحتوائه ، أما عن الأحصائيات الخاصة بالمرض النفسي ، فنحن تتوافق مع معايير الصحة العالمية.


 
مشيراً أن هناك فرق بين المرض والإقبال على الطبيب ، لأن كلما زاد الوعي زاد الإقبال علي الطبيب وكذلك المستشفيات النفسية  ، ولهذا أصبح هناك زيادة في الوعي لدى بعض أفراد المجتمع ،وأعترافهم بوجود المرض النفسي وأن له سبل في العلاج ويجب اتباعها.


 
وبالسؤال عن كيفية الوقاية من المرض النفسي ؟ أكد علي ضرورة التواصل مع الآخرين ، ومشاركة الآخرين الحب والمشاعر والأفكار ، وأن يتفهم الفرد أن زيارة المريض النفسي ليس عيباً أو بها حرج "ولا عيب ولا حرام " زيادة الوعي مع الاضطرابات النفسية، والمشاكل النفسية، يجب أن يصبح لدى الفرد زيادة في الوعي لدي الاضطرابات النفسية ، وأن يتقبل الشخص فكرة أنه مريض نفسي ويسمع كلام الطبيب.


 
 محذراً من إتباع المواقع الألكترونية من كونها تقدم نصائح بشأن المرض النفسي ، وأخذ الاستشارة من أشخاص عبر الإنترنت ، فهي صفحات للنصب وتسيء لسمعة المرض النفسي.

 

اقرأ أيضا عزة مصطفى عن واقعة انتحار الطفلة هايدي: مش ده مجتمعنا | فيديو


  
 واستكمل جمال فرويز "استشاري الأمراض النفسية بالأكاديمية الطبية العسكرية " أن المرض النفسي يتم محاربته من عدة إتجاهات ، من جانب المجتمع ومن  الأعمال الدرامية من جانب آخر ، فإذا أراد الفنان أن يحصل على دور كوميدي فيأخذ دور "المجنون " ، وأصبح لدي الناس صورة ذهنية عن المريض النفسي أنه الشخص المجذوب وبالتالي أصبحت هي الوصمة لدى الناس ، ولهذا تخوفوا أن أن يعترفوا بمرضهم النفسي.


  
ولجأ المجتمع لأعمال الدجل والشعوذة ، وفضلها عن الذهاب للطبيب النفسي ، رغم علمه بأهمية الطب وأنه الحل الوحيد ولكنه يفضل أن يقال على ذويه أنه مصاب بالمس من قبل الجن وليس مريض نفسي  ، وكذلك الضعف الثقافي لدى الناس جعلهم يلجأون للمشايخ التي تعالج من المس والجن ، ويستغلها البعض للتربح المادي ، مما يتسبب في تدهور الحالة ويصبح مرضها مزمن  أي يصل لأسوأ مراحله.
  

 والمرض النفسي ما هو إلا مرض عضوي في المخ ، ويتم حالياً اكتشافه بالرنين المغنطيسي بجامعة عين شمس ، حيث انه تم اكتشاف أن كل مرض نفسي له تغير معين في المخ ، ويوجد سبعة عشر مستشفى لعلاج الأمراض النفسية ، وتتعدد الأمراض النفسية ومنها الأمراض العصبية ، والعقلية ، وتمثل الأمراض النفسية 7% على مستوى العالم ، بينما في مصر تمثل 10%  والسبب في زيادة النسبة عن المعدل العالمي هو زيادة المقبلين على الإدمان ويمثل المصابون بإضطرابات نفسية حوالي 21%.


 
  واستطرد أنه يمكن أكتشاف المريض النفسي ، في حالة الملاحظة لأي فرد أن لديه خلل في أحد الوظائف سواء كانت إجتماعية  أو علمية أو إضطرابات في النوم ، والعلاج يختلف من حالة لأخري ، فهناك حالات تتردد علي المستشفي ، وأخرى يستوجب احتجازها ، وأعراض الأكتئاب والأمراض النفسية عند الأطفال هي نفسها عند الكبار باختلاف أنواع بعينها من المرض النفسي تختص بفئة الأطفال "كفرط الحركة " ويبدأ ظهور المرض عند الأطفال من عمر 15 عام.
 
 وأشار مصطفى محمد "رئيس وحدة التأهيل النفسي بمستشفى العباسية "   أن كل مجهول مرفوض ، فالمرض النفسي ليس لدينا أي ثقافة عنه ، بل هناك أطباء ليس لديهم علم بالمرض ، رغم أن الطبيب في المرحلة الجامعية يدرس كافة التخصصات  ، وعلي سبيل المعلومات المغلوطة عن أحد الأمراض النفسية كمرض الوسواس القهري ،  فالبعض يرجعه نتيجة لمعتقدات دينية ، وبالتالي يذهب للدجالين و المشايخ الروحانيين ، فالمريض قبل قدومه للعيادة ، يأخذ جولة على أصحاب الدجل والشعوذة ،   ومنهم من يظن أن صاحب الوسواس مصاب بهلاوس بصرية  ، محذراً أن  يتم التعامل بجدية مع الشخص الذي يدعي الانتحار ، فالقانون يجيز للطبيب احتجاز المريض الذي يهدد من حوله باقباله على الموت .
 
 وأكد ضرورة التوعية بالمرض النفسي في المدارس ، ويجب تعليم الاطفال على ضرورة التوازن بين مختلف جوانب الحياة ، وممارسة الرياضة ، وتناول الغذاء الصحي.