بقلم سارة شوقي: ذكريات مُهملة 

سارة شوقي
سارة شوقي

ها انا أخيرًا اغمض عيني لأصحو على اطلال الذكريات المسكونه بالألم الغارقة بالوجع والدمع .

عاش العديد من السنوات الضائعة على ذكريات متناثرة من الماضي سنوات من الألم والأسى، سنوات بلا حراك، سنواتِ الإنتظار والامل على عودة الماضي ، ولكن بلا فائدة سوا الضياع .
كثيرون هم من يعيشون في دوائر الماضي وذكرياته، ولاننا دائمًا ما نميل للعيش في الماضي واستعادة ذكرياته حتى وان كانت مليئة بالالم ولاننا دائمًا ما نرى الجانب السلبي من حياتنا نظل عالقين فيه رغمًا عنا ربما خذلان صديق او خساره مال او عمل او تجارة قصه حب او حلم ضائع .

كثيرة هي الاحلام التي تحولت الى كوابيس وامال تحولت إلى خذلان و سعاده تحولت لاحزان .
ولكنه دائما يصاحبنا قدر الله ومشيئته وربما هو اختبار ايمان او خير وفير قادم .
وكما يقول الله تعالى في كتابه القران ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

الأشياء التي تراها قد تبدو اصغر مما هي عليه في الواقع .
في الواقع نتوقع بأن حدوث حدث معين في حياتنا قادر على تحويل حياتنا للافضل، او ان حدث مضى كان تحقيقه سيجعلنا اكثر سعاده وفي بعض الاحيان قد تجعلنا الأحداث سجناء للذكريات ، لا نعلم هل هي متعلقه بشعور او اشخاص او ما كنا عليه حينها 
لماذا لا ننسى احيانا ؟ 
ما هي الذكريات ؟
هل اسم الانسان من النسيان؟
لماذا نتذكر ؟
لماذا نتعلق ببعض الاشياء والاشخاص ؟

لماذا لا ننسى بعض الذكريات دون غيرها؟
على الرغم من ان الدماغ يمتلك كميات هائلة من الذكريات الا ان الحفاظ على الروابط العصبيه ونشاطها يتطلب الكثير من الطاقة لذلك فهو يحتفظ بالمعلومات الحيوية المهمه فقط .
الذكريات هي اعز ما نملك نعتمد عليها طوال حياتنا في النهار والليل في يقظتنا ونومنا هي عماد علاقتنا الإجتماعية ومعرفتنا واذواقنا وتاريخ مغامراتنا وما نتميز به وقد لا يكون من المبالغة القول انه هو جوهرنا ولكن الأبحاث العلمية الحديثه قد تجرح كبريائنا وتكتشف ان هذا الرفيق الحميم فيه كثير من الزيف والسراب ،
فرويد قد بدأ بدراسه اوهام الذاكرة باكرًا في تسعينات القرن التاسع عشر وخلال معظم ابحاثه اللاحقة وكان من زاوية مختلفة اعتبر ان الذكريات المؤلمة الناتجه عن القمع في مرحله الطفولة تختفي إلى حاله لا واعيه تظهر في الأحلام والأعراض المرضية وذكريات الطفولة تظهر في مراحل لاحقه في سن متأخر عندما تكون الطفولة قد اصبحت من الماضي في هذه العمليه يتم تغيرها وتزييفها ويتم وضعها في خدمه مسار الأتجاهات الحياتية اللاحقة بحيث لا يمكن تميزها بشكل عام عن الاوهام .

وتقول أيضًا جوليا شاو دكتورة في علم النفس متخصصة في علم الذاكرة :
وفقا لعلم الذكريات الكاذبة فان كل ذكرياتك حتى تلك التي تعتز بها هي عرضه للفساد والتشويه .
واذا كانت الذكريات ثابتة ثبات الاحداث في شرائط فديو فسيكون من الصعب تخيل مواقف جديدة 
وعندما ندون الذكريات نعيد ترتيب الاحداث في أذهاننا دون وعي ، وقد نغيرها لنتفق مع اي معلومات جديدة عرفناها عن الحدث ومن السهل للغايه اقناع الاخرين بأنهم خاضوا تجارب لم تقع قط .

يقول بليك أن النسيان هو أحد وظائف الذاكرة الأساسية المتعلقة باتخاذ قرارات ذكية للحفاظ على البقاء ان بعض الذكريات ليست فقط بلا اهمية بل إنها مدمرة لحياتنا اليومية، وان ذاكرتك موجوده في نهايه المطاف لمساعدتك على اتخاذ القرارات والتصرف في العالم بطريقه ذكيه ليس لتجعلك سجين للماضي . 
وفي النهايه فأن النسيان هو احد وظائف الذاكرة وكل فرد ينسى بطريقته الخاصه المختلفه عن غيره .

ويوضح علم النفس ان الانسان لدية القدرة على النسيان طوعًا بوعي .
اي نحن من نضع أنفسنا في زنزانة الماضي .

هل اسم الإنسان من النسيان ؟
يرجع معنى الإنسان إلى الظهور، عكس الجن، وذكر الانسان معنى اخر وهو النسيان فقد اورد ابن المنظور عن ابن عباس انما سمي الإنسان انسانا لانه عهد اليه فنسى إذ يقول الله في كتابه الكريم {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }
وبهذا قال الكوفيون انه مشتق من النسيان لذا فأن معنى الإنسان في كلام العرب يعني الظهور والنسيان .

كيف تتمكن الأشياء من الأشخاص ؟
كيف يتشكل الولع بالأشياء والأشخاص بداخل عقولنا؟

الإرتباط بالأشياء هو إرتباط مفتعل غالبا بسبب الميديا وسياسات الترويج المختلفة
 وترسيخ رسائل معينة بداخل وجدان الفئة المستهدفة ( عشاق السيارات لاقتناء المجوهرات الثمينه او الساعات الثمينه ومهوسي الماركات) لا أعرف على مدى الدقة.

قدر صحتها من خطئها، هي ربما أكاذيب يتم تغذية بواطن عقولنا بها حتى نصدقها من اجل تحقيق مصالح شخصية، بينما الإرتباط بالأشخاص تنسجه مجموعة من الذكريات الحية والمتداخلة والتي ربما يصعب فصلها عن الحياة، نعم هناك مرحلة ذكريات ترتبط هي الأخرى بالأشياء وتتداخل في عقولنا منتجة ذكرى ما مع تلك الأشياء فتذكرنا بمواقف وحقبة ما نتمنى عودتها ونستلطف نسيمها لكنها ليست الذكريات الحية كما في الأشخاص هي مجرد ذكرى إرتباطية أو تذكرية، لتذكرنا بوقت ما.. هل لجنون الإمتلاك دور في هذا؟ بكل تأكيد تتفاوت جزئية حب أو جنون الإمتلاك في تحديد مدى إرتباطنا بالأشياء والأشخاص ولكن أظن أن الفيصل في معرفة هل هي مجرد فكرة ستخمد بمجرد إمتلاك الشيء من عدمه، هل يموت الحب؟ في البداية لا بد أن نفكِّر بشكل عميق بمعنى مشاعر الحب ومراحل تطور الحب الطبيعية، فمشاعر الحب الرومانسي سواء تكللت بالزواج أم لا؛ تمرُّ بمراحل محددة، حيث تتطور مشاعر الإعجاب المتبادل إلى مشاعر قوية وجارفة ومتداخلة من الحب والشوق والرغبة والغيرة ترافقها تفاعلات كيميائية في الدماغ وأعراض جسدية واضحة، وتتحول قصة الحب إلى مكافأة مثيرة للسعادة والسرور!. لكن الثابت أن هذه المشاعر لا تستمر إلى الأبد، بل تصل إلى مرحلة الذروة في بداية كل علاقة ثم تأخذ بالتراجع بعد الإشباع التدريجي للرغبات العاطفية المتنوعة، إلى أن يختفي الحب أو يموت ما لم يكن الشريكان على قدر كبير من الوعي بمشاعرهما وطرق تغذية هذه المشاعر. فتلك رؤية تالية يتحدد من خلالها إستمرارية الوله وحب الأشياء من عدمه. هل ما زال فلان يعشق حب ماضي بسبب عدم تملكه ؟ هل نحب من اجل الحب ام انها مجرد مشاعر مرتبطة بذكريات مضت ؟ كيف كان بأمكاننا التعبير عن مشاعرنا اذا لم نر افلاما او مشاهدًا رومانسية ؟ كيف حددنا صحه العلاقات من فشلها ؟ جميعها تساؤلات لا يمكن تحديد مدى صحتها من خطئها ولكن اعتقد ان الاجابة تختلف حسب كل شخصية وما مرت به ، فأشخاصنا لا يجب ان تنطبق عليه مواصفات عامه بل ما يهمنا فقط . وفي النهايه من يقتات على الماضي ويبحث عنه سيعيشُ في بؤسٍ دائم. الحياة ملكك وانت بطل الحكاية . الهواء يتجدد وكل شيء يتجدد وذاتك تتجدد فلا تقبع في زوايا النسيان والإهمال. ‏هناك من ينتظرك في محطةٍ أجمل وأزهى وأروع، فقط تحرك وتحرر ذاتيًا ومكانيًا وسيزهر الطريق أفضل مما مضى.

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي