معركة مفروضة 

شيرين هلال
شيرين هلال

بقلم: شيرين هلال

العالم بتاعنا بقى عبارة عن كرة مفتوحة مش حتى قرية صغيرة زي ما كنا بنقول من كام سنة، لما كنا لسة جداد على العوالم الخفية والعوالم المفتوحة اللي لحد دلوقتي مفتحتش كل أسلحتها علينا لكن بالتأكيد هى مش هتستنى علينا كتير. ولازم نكون جاهزين للتعامل مع أدواتها المختلفة، لأنها فارضة نفسها علينا وعلى أعز ما لدينا وهما ولادنا، وللأسف بأكثر الأشياء اللي متوفرة في أيدينا.

في مدارس باعتين رسائل يحذروا من مسلسل squid games ،بتقول إن مشاهدته خطر على الأولاد و بيطلبوا مساعدة الأهالى فى السيطرة على الموضوع لإن الفكرة بتاعة اللعبة اللى فى المسلسل ابتدت تنتشر والولاد بيلعبوها في أوقات الفسحة ودا في إحتمالات لوقوع أحداث عنيفة أو إصابات خطيرة.

‏المسلسل عنيف فعلا والدنيا مقلوبة بسببه في دول كتير مش عندنا بس. ببساطة دي لعبة اللي بيخسر فيها بيتقتل!

متخيلين حجم الخطر اللي ممكن يجيلنا من المنصات المفتوحة زي Netflix لحد البيت واحنا مَش واخدين بالنا؟

الحل مش منع المشاهدة؛ لان فكرة المنع في زمن الأقمار المفتوحة مبتحميش ولادنا

لازم نتكلم و نتفرج ونشوف ونناقشهم ونعلمهم ازاي يحكموا على محتوى عنيف للدرجة دي و عواقب تصرفاتهم اللي هتتبني على تبني مسلسل زي دا. والأهم نعرفهم إنهم متفرجين "متلقيين"، لا هما الأبطال و لا الأبطال اللي هما شايفينهم ابطال ولا ماتو  ولا حصل  حاجة من المعروض. ونعلم الولاد التحكم في مشاعرهم أمام أعمال فنية مصرون عليها ثروات طائلة،وممثلين بيقبضو بالملايين عشان بينجحو في التاثير عليهم. ونعرفهم كمان،ان العمل الفني مجرد وجبة معمولة للحظة التأثر بيها وبعد كدة اصحاب هذا العمل هيروحو يعملو وجبة تانية برضو للحظة تانية وهكذا..

والاهل اللي عارفين اولادهم حساسين وممكن يتأثروا بحاجة زي كدة ممكن يدمجو الولاد في اعمال فنية مع المدرسة او اي نشاط داخل نوادي الموهوبين عشان ترسخ عندهم فكرة "صناعة العمل الفني" ودا بيساعد في اتزان  مشاعر الاطفال دول وتعاطيهم مع الاعمال الفنية مهما كان سنهم صغير. دا غير كمان انه بيربي فيهمحس نقدي عالي و يعلمهم محبة العمل الجماعي.فكرة انتشار المسلسل ممكن نستفيد بيها بشكل كبير لو علمنا  الولاد ازاي يقيموا كل الامور اللي بتتعرض عليهم في غيابنا.

كمان المدارس الواعية اللي فهمت خطورة المحتويات المقدمة للاجيال الجديدة، هى كمان لازم مترميش المسوولية كلها على الأهالي و تبدأ تفكر في اساليب تربوية جديدة للتعامل مع الولاد اللي ظهرت عليهم ملامح العنف بسبب الأعمال العنيفة لازم تساعد بشكل عملي من خلال التواصل المستمر مع الولاد وتشجيع النشاطات المختلفة زي المسرحيات و النشاطات المدرسية الرياضية بعيدا عن الحصص والمناهج زي الندوات اللي يستضيفو فيها اساتذة من كليات الفنون و الرحلات لمختلف الأماكن اللي توسع دايرة خبرات ومعلومات الأودات في عصرنا الحديث، وكافة الأنشطة اللي تشجع السلوك القويم و تبني شخصية سليمة ومتزنة قادرة تحكم على الامور باعتدال. ودا مش خارج تخصصهم ولا بعيد عن دورهم الوظيفي، اسمها وزارة التربية والتعليم، المدرس مُربي في المقام الاول، ولازم عشان العملية التعليمية تكتمل تكون ماشية في خط موازي مع العملية التربوية.

انا مش بقول سحر ولا شعوذة، الكلام دا كان موجود في مدارسنا من قديم الازل احنا كل اللي محتاجينه هو استرجاعه مش اكتر!

المدارس طول الوقت كان عندها أخصائي اجتماعي ومدرسين رسم وموسيقى وألعاب وعندها نظار مثقفين قادرين يلعبو دور المايسترو لكل الفريق؛ دا عشان في الاخر يطلعو منتج سوي جاهز للتعامل مع المجتمع ويضيف له كمان. دا غير إن وزارة التربية والتعليم عندها جيوش من الموجهين التربوين اللي محتاجة تفعل شغلهم وتقيم أداهم من خلال الدراسات الإجتماعية اللي بتتعمل على طلاب المدارس بشكل دوري. بدل ما تكون التقارير مجرد أرقام تتحط في أبحاث و تطلع في شكل تحليلات لا تعبر عن واقع الأمور. المدارس والجامعات هى بيئات توفر للمجتمع حاضنة منضبطة، يقدر يشوف من خلالها تطور سلوك أبناءه  واذا كنّا بنادي بالتعليم وتطويره يبقى لازم نكون مدركين اهمية التثقيف قبل التعليم . لازم نقدم وجبة كاملة للناس؛ساعتها هترجع الاخلاق و يرجع الضمير و نلاقي الانسان  المصري بشخصيته القويمة.

انتهزوا فرصة المسلسل لان حجم العنف مخيف ومبالغ فيه وكمان سن الأبطال في المسلسل قريب منهم، والفطرة جوا كل انسان هترفض المحتوى المؤذي بطبيعة الحال.  ممكن جدا مسلسل زي دا نحوله لهيكل عظمي نشرح عليه للولاد حجم الاذى والقبح من العنف ونستثير من جواهم مشاعر الضمير والانسانية. وهنا يتولد عندهم طاقة جديدة مدعومة من المدخلات المتنوعة اللي قدمناها للولاد مسبقا من خلال الأنشطة المكثفة.

احنا مش في زمن المنع لانه ببساطة نحن لا نملك سلطة المنع!

المنصات و العالم المفتوح اقوى من سلطات الدول فأكيد اقوى بكتير من سلطتنا الأبوية او سلطات المدرسين في المدارس. ولنا في تجارب الدول الأخرى عبرة و عظة لازم نستفيد منها. بلاش ننسى ان اعتى القوى الكبرى انهزمت لما قفلت على شعبها و تصورت انها كدة بتحميه زي الاتحاد السوڤيتي، انهزم لما قفل على الشعوب الروسية وقنن اساليب انتقال الثقافة والقيم المتداولة عالميا ولما غزت الثقافة الغربية الاتحاد السوڤيتي بتحررها و مفرداتها الجذابة مقدرش الشعب يقاوم ابسط السلوكيات الاستهلاكية الشرهة ومعاها انهارت كل دفاعته عن قوته العظمى وكيانها العالمي فانهار الاتحاد السوڤيتي!

ولحد النهاردة لسة مفلحتش محاولات روسيا لإحتواء غول التكنولوجيا من خلال الألعاب الاليكترونية وتأثيرها على الشباب ،الكل يذكر إن ضحايا لعبة شهيرة زي الـPubji

و كانت أرقام الضحايا الأكبر فيها من بلاد الدب الروسي. دا غير إن منعها بعد فترة لم يؤدي إلا لزيادة محاولات مطورين الألعاب الروس لإستنباط ألعاب تحاكي نفس اللعبة العنيفة لكن بأسماء و مدخلات روسية.

حتى التنين الصيني، برغم كل محاولاته المستميتة للإنغلاق على نفسه وتصديره لنموذج اقل عنفا و توحشا، اضطر يفرز دبلوماسية جديدة للتعامل مع العالم الخارجي  تمكنه من اكتساب ارضية تواصل اكثر جذبا لنموذجه المنغلق اسمها "دبلوماسية الباندا" . لكن دا مينفيش ان الصين ما زالت تتمتع بحجم ضخم من السياسات المنغلقة بتغطيها بنشر روح الانتماء العنيف للثقافة والحضارة الصينية وتربطها عمليا بالانتعاش والتفوق الاقتصادي والعسكري .

ومع هذا المجتمع الصيني حصله نوع من انواع التفاعل الملحوظ وساهم في توحش الاستهلاك لدى الشعب الصيني، لدرجة أزعجت المحللين ومستشارين الحزب الشيوعي الحاكم. من أمثلة الممارسات دي : إنحسار إستعمال العجل في التنقل ولجوء نسبة أكبر من الشعب لإستعمال العربيات واللي أدى لظاهرة جديدى على المجتمع الصيني صاحب المليار ونصف نسمة وهى ظاهرة "الإزدحام". وبسبب تصدير منتجات الماركات العالمية حصريا من الصين، تولد لدى الشعب الصيني رغبات متوحشة لإمتلاك منتجات الماركات الأصلية ومش التقليد اللي طبعا تكلفتها باهظة جدا وغير مرحب بالسلوك التفاخري والإستهلاكي في الموروث الثقافي الصيني والثقلفة المعالصرة كمان، وإبتدت الحكومة الصينية تتعامل بحزم مع هذه التصرفات بالتضييق على منافذ بيعها و متابعة زباينها ضريبيا! إلا إن السياسات دي لم تفلح في ردع المواطن الصيني اللي وجد تايوان الجارة المنفذ لتطلعاته في إقتناء الماركات العالمية وخصوصا "الأمريكية"، وأصبح مشهد الطوابير الصينية أمام محلات بيع الماركات مشهد عادي جدا. ودا لإن المجتمع الصيني عنده قدر كبير من السياسات المتشددة في التعامل مع كل ما هو خارج عن ثقافته. ودا كمان يفسر ليه أكبر الهاكرز بيظهروا من الصين لإن مفروض على الإنترنت قيود كبيرة وحتى المحتوى الترفيهي عليه قيود أكبر وتحت سلطة الدولة مباشرة.

أما التجربة اللي إكتسحت وانتصرت على نفسها و على مفردات العوالم الخفية فكانت التجربة اليابانية. منذ هزيمتها في الحرب العالمية التانية وضرب بيرل هاربور و كارثة هوريشما و نجازاكي و هى تبنت سياسة المواجهة و إتعلمت إزاي تواجه إخفاقتها كإمراطورية أمام الغزو الغربي.بعد إصلاحات الإمبراطور مايجي، فقدرت تجذب الدول الآسيوية أولاً؛ لأنها منحت الهوية الآسيوية بُعْد مستقبلي بعد أن حاربت الغرب بعلومه العصرية وتقنياته المتطورة، فإتعلمت منه كثير وإعتبرت نفسها تلميذ قرر يتفوق على أستاذه ،وفرضت هويتها الآسيوية بسمات معاصرة، وكانت أبرز ملامح دا، تصدير المطبخ الياباني وأشهر أكلاته "السوشي" واللي كان صعب إنتشاره لطبيعته المختلفة عن كل المطابخ العالمية لأنه بيتكون بالأساس من السمك النئ، لكن وبحسب تحليلاتهم هى وضعت موطئ قدم لثقافتها في الذهنية العالمية. وفردت لنجاحها شراعات إقليمية مبدأيا،فاستفادت الصين والهند ودول النمور الآسيوية من تفوق الخصوصية اليابانية عشان تسوق لها تجارب تحديث خاصة بيها زي اليابان.

ويكمن سر تفوق التجربة اليابانية في فلسفة التمسك بنسيج الثقافة المحلية اللي ساعدت على صنع إنسان بيتحكم في ذاته عشان مؤمن إنه ترس في عجلة بلده الكبيرة، وهي فلسفة إنسانية نابعة من ميراث حضاري من آلاف السنين. كل مهمة المواطن أنه يرصد المعرفة الجديدة ويجمعها داخليا عشان يستفيد منها اليابان. يعني وعي المواطن الياباني أصبح محلل بطبعه لكل ما هو خارج عن ثقافته،  ياخد منها المفيد ويتخلى عن المؤذي. أبرز هذه الأمثلة ظهرت في عادات الطعام الياباني لما لفظ اليابانيين غرف الطعام التقليدية اللي كانت أشبه بجلوس القرفصاء على الأرض، واستبدولها بغرف الطعام الحديثة المكونة من الطاولات والكراسي: برروا دا لنفسهم لأن دراساتهم إكتشفت إن العادة الجديدة ساهمت في زيادة طول اليايبانين 10 سم عن متوسط طولهم الطبيعي، بالتالي إتبنوها.

متزامن مع كل  دا اعادة الهيكلة جوا المجتمع الياباني، هو صدر عن نفسه فكرة مجتمع النظام والتعليم المتأدب. عمل نظام التعليم والعمل قائم بالأساس على نظام تشاركي في السلوكيات وإتخاذ القرارات والسلطة فيه للجماعة، مع إن الإمراطورية اليابانية هى الأقدم في التماسك على مر التاريخ ولحد النهاردة لسة الإمبراطور بيعامل معاملة فيها تقديس، إلا إن الأمور داخل المؤسسات اليابانبة ماشية إلى حد كبير بديموقراطية منقطعة النظير. كمان إنتبه صانع السياسات الياباني لأهمية إستعداده للغزو الثقافي الحديث و أنفق ببذخ على صناعة المحتويات الثقافية اليابانية من أفلام وأعمال فنية مختلفة، وكمان إنتاج ألعاب تنافس أكبر الشركات الغربية. كمان النموذج الياباني تفوق على دول العالم في عدد المنح الثقافية لبلاده عشان يحظى بالتسويق لنموذخه الخاص على إنه يوتوبيا النظام والحضارة الإنسانسة الحديثة.

كل التجارب اللي عرضناها وإن كانت بعيدة جغرافيا إلا إنها قريبة في الفكرة و التكوين والمحتوى من المجتمع المصري بالخصوص. أحنا أمة بحد ذاتها، شديدة التنوع والتماسك وأصيلة الهوية وإن بدا للأخرين عكس ذلك.

المصريين عندهم ميراث ثقافي أصيل، قادر على جمعهم وقت الحاجة لإستدعاءه، وعندهم كمان أدوات قوة ناعمة قادرة توصل بيها مش بس من المحيط للخليج، لأ دي قادرة تغازل العالم بما لديها من موروث حضاري ومازلنا نذكر إن المصريين قدروا يحبسوا أنفاس العالم مع إطلاقهم لموكب المومياوات الملكية. وأثبتوا لأنفسهم قبل العالم إنهم لسة هوليود الشرق ولسة قلعة الثقافة والفن العربية وكمان ممكن يصدروا موضو وجمال من قلب حضارتهم اللي رافضة تموت. ودا مثال بسيط على قدرة هذا المجتمع على إحتضان أبناءه وقت الحاجة، لأن بالفعل بيحمل في جعبته الكثير من عوامل الجذب ومش محروم من الكفاءات البشرية اللي تقدر تنتج محتوى مميز، يحمي أبناءه من حروب الأجيال القادمة. دا غير إنه غير مضطر لإستجلاب بطولات او خلق نماذج قدوة وهمية زي ما الثقافة الأمريكية بتقدم.

بالتالي نقدر نقول إن إحنا لا يليق بنا أن نخاف لو فعلنا أدواتنا الداخلية وإتمسكنا بتنفيذ خطة تطوير ثقافية جنب خطة تطوير التعليم. لكن لازم نخاف لو معملناشش دا وبسرعة. 

مفيش حل غير المواجهة  الشاملة.

متخافوش من العنف، لكن حضروا له سلاح يليق به وينتصر عليه في المعركة المفروضة على الكل.

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي