جمال الشناوي يكتب: وداعا.. المارشال الذى هزم أمريكا مرتين

جمال الشناوي
جمال الشناوي

شريفا من صباه ..صلبا في كل معارك القتال 
وجد نفسه فجأة في مواجهة حناجر أًصحاب "النضال"
حواه أتقنوا الرقص على كل الحبال 
حتى لو  تم إدخال الشعب إلى محرقه الثورة ..
كى يغرقوا هم  في الثروه 
هم فعلا .. أشباه الرجال

رحل عن دنيانا رجل من أشرف وأخلص الرجال ..زهد في الدنيا ومتاعها ، إلا عشق الوطن متشبثا  بترابه منذ أيام الشباب الأولى ..قاتل بين صفوف القوات المسلحة في كل حروب بلادنا التي فرضت علينا ..وشاءت عناية الله أن يكون على رأس السلطة في البلاد في أوقات العواصف العاتية ..وكانت مصر أشبه بسفينة وسط أمواج عاتيه .. وأمسك بزمام الأمور، حكيما قاد الدفة ..زاهدا في كل إغراءات الدنيا ..هدفه كان حتى لحظات العمر الأخيرة أنا تبقى مصر ، قوية متماسكة الأطراف ، قاوم كل الهجمات والعواصف ، متحملا ما تنوء الجبال بحمله ..لم يكن يوما طامعا في سلطة بل كان يراها "جمره نار" مطبقا عليها بكلتا يدية ..متحملا لهيبها ، وصابرا على آلامها ، مترفعا عن هجمات مخططة للنيل من عزيمته ..لكنه المشير محمد حسين طنطاوى.

هو بطل -رحمه الله - من نبت هذه الأرض الطيبة ..استدعى بطولاته وصلابته من ميادين القتال ، إلى معركة استعاده وطن ،مادت الأرض به .. بفعل زلازل صناعية ، لكنه نجح في هزيمة أمريكا مرتين ..الأولى في سيناء قبل ٤٨ عاما ..والثانية في القاهرة قبل ١٠ سنوات.. رجل مختلف عن الكثيرين ..طيب القلب مع ابناء بلده ، حانيا على الضعفاء ..قاسيا على أعداء وطنه.

*  *  *  *
 كنا في أكتوبر 1992.. الزلزال ضرب القاهرة بقسوة.. كانت المنازل والعمارات تتراقص.. سقط المئات من الضحايا ..ولم تحتمل كثير من العمارات والبيوت رقصه الزلزال .

رئيس البلاد وقتها قطع زيارته الى الصين.. وزير الدفاع كان المشير طنطاوي، الذى كان يرافقه وصل إلى البلاد ، وأسرع من  المطار إلى ميدان هليوبوليس ..العمارة الأضخم ترنحت وسقطت فوق رؤوس ساكنيها.

كنت بين عشرات الصحفيين نقف على الجانب الآخر ..مساعدون  لوزير الدفاع يحيطون به ..وبعد دقائق ، وكان الفجر قد لاح في الأفق ..تحرك الرجل  باتجاه أحد الأوناش الضخمة ..ويحيط به عدد من الحراس .
وجدتني اشق طريقي، ولم أهتم بتحذيرات الزملاء، وقبل أن يمنعني الحراس.. سمعت أمرا صارما "سيبوه".

وراح الرجل القوى يتحدث الى صحفي في بداياته مثلى بكل ترحاب، يشرح دور الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة ويجيب على أسئلتي.

ربما هى المرة الوحيدة التى تحدثت اليه ..وحاولت جاهدا الوصول إليه في السنوات الماضية ، لكنه زاهدا في الحديث، اختار أن يضع كل ثروته في مسجد كبير يحمل اسمه..

سيرة الرجل تحتاج إلى من يحفظها ويحولها إلى عمل درامي يسجل نوادر الرجال، ونقدمها بطولاته في الميدان لشبابنا.. و أجيال باتت تفقد البوصلة . 

المشير الراحل ..كان من بين أبطالنا في حرب أكتوبر ..قوته وشجاعته لفتت انتباهي بين مئات قصص البطولة التي تزخر بها سجلات النصر العظيم في أكتوبر ..المشير طنطاوي، الذى يبدو هادئا، يحمل بين ضلوعه قلب أسد ، لا يستسلم أبدا إلا بعدما يحقق النصر .. ، وقتها كان  المقدم محمد حسين طنطاوي قائدا صلبا للكتيبة 16 في حرب أكتوبر التي عبرت القناة قبل موعدها بنصف ساعة والتي صمدت أمام هجمات الدبابات وغارات الطائرات في الهجوم المضاد على قواتنا التي عبرت ..،لا أفهم كثيرا في الإستراتيجيات العسكرية ،ولكن ما قرأته عن الرجل الذى صمد وجنوده  بصلابة نادرة الوجود ، وإخلاص قلما يتوافر في زماننا الآن ..كان معركة ضخمه بالمقاييس العسكرية  استقبل بنيران كتيبته الأسلحة  التي ارسلتها أمريكا عبر الجسر الجوي ..صمد الرجل وجنوده وسحق بوحدته لواء كامل من المظليين الإسرائيليين. 

المؤلم أن شهادات قادة الحرب في إسرائيل منحته حقه من التقدير ، ربما أكثر مما لاقاه من صبيه هيلاري، وعبده الثورة المصنوعة في معامل الأشرار .

*  *  *  *

كنت شاهدا على أولئك الذين استهدفوه شخصيا من صبية يناير ٢٠١١، الذين تطاولوا على الراحل العظيم وبعدها ، كان الرجل واحدا من الموانع الصلبة، التي حالت بين مصر والانزلاق المخطط صوب الفوضى ..كنت شاهدا على تلك الليلة ، عندما شارك المشير المخلص ، في أحد الأفراح بفندق بوسط القاهرة ، وأراد الرجل الذى بات مسئولا عن دولة بحجم مصر ، وشعبا غرق في سيولة سياسية مصنوعة بإتقان ، وأراد الرجل أن يسير على قدميه في الشارع ، يومها أمضينا أيام تالية ، لكيل عشرات الشائعات ، عن سر الملابس المدنية ، وكأنه كان مطلوبا من أن يشارك في مناسبة اجتماعية خاصة بالزي العسكري  ، شهدت اجتماعات ولقاءات على الشاشات ، تناقش وتحلل بهدف الهجوم والتشويه ، وكان الرجل صلبا ، لم يلين أمام ضربات واستهداف من صبية السفارات الذين باعوا أنفسهم مقابل حفنه من الدولارات ..المخططون يعرفون الرجل ، ويعلمون  من هو المشير طنطاوي وهدفهم  ازاحته من المشهد بكل الوسائل ، فهو مانعا صلبا أمام طوفان الفوضى الخلاقة ، ربما كان لإفساح الطريق أمام شخص آخر.. فصانع الفوضى يفضله – كما كتب الراحل عبد الله كمال- بعد يناير.

صمت المشير طنطاوي مترفعا عن الرد على الإهانات والبذاءات واستعاد مهارات القتال ، هى معركة أخطر من الحروب التقليدية ، يواجه عدوا  هو الأقوى على الأرض ، والخطر هذه المرة أن هناك من المصريين من تم خداعه أو شراء ولائه .

وركز من يريدون تفكيك مصر لتسليم أشلائها لمن يحكمها بالوكالة.. ضرباتهم الإعلامية والسياسية.. لاستهداف القائد الشريف.. وسقط في براثنهم كثير من المخدوعين أو المأجورين.. خلط الأوراق كان سمه المرحلة.. الكاذب في مقدمة الصفوف ويمتلك الصوت الأعلى، والسوط لجلد كل الصادقين.. الخيانة باتت من بديهيات الأفعال، كل يسعى بشده لدفع الشعب الى طريق اللاعوده، قرأ المشير طنطاوي المشهد ..وفهم الرجل الهدف القديم الجديد ، تسليم المنطقة للإخوان فهم الأقدر على التفاهمات مع اسرائيل وضمان أمنها ..فالعراق على وشك التقسيم ..وسوريا  نشط الإخوان فيها وحملوا السلاح ، وفتحوا ابواب البلاد لكل سفاحى الأرض من الجماعات الإرهابية ، وجيوش أكثر من ثماني دول  و دخلت في دوامه العنف أسرع من غيرها ..والجميع كان في انتظار الجائزة الكبرى "مصر" وتحويلها  الى دولة خانعه يحكمها تنظيم بريطاني الأصل والتأسيس ..فليس ببعيد خداعهم ومخادعتهم لـ"عبد الناصر" وهو يخوض معركة الجلاء مع الإنجليز عبر مفاوضات شاقه لنيل الاستقلال ووثبت من الأوراق الرسمية في الدولة ذهابهم للسفارة الإنجليزية بالقاهرة وتنسيق التحركات لإعاقة جلاء المحتل ..وتبنيهم الموقف البريطاني.

أدرك المشير طنطاوي.. أن بين اهداف يناير، أن تحكم أمريكا المنطقة  "بالتليفون" حتى تتفرغ لمعاركها مع التنين الصيني الذى يتمدد اقتصاديا حتى داخل أمريكا ..والدب الروسي الذى أفاق من الضربة الكبرى التي أسقطته .
ذات صباح وبعد رحيل مبارك كلف المشير طنطاوي أحد مساعديه بدعم التيارات المدينة لخلق حياة سياسية تضمن التوازن مع تجار الدين والأوطان في الشارع السياسي، رغم أنه يعلم بأن هناك خطوط خلفيه مفتوحه مع بين كل أصحاب الحناجر والراقصين على كل الحبال مع الإسلاميين عبر الراعي الأكبر ..لكن المصلحة الوطنية تستدعى احداث توازن بين القوى السياسية قبيل الانتخابات الحتمية .

أرسل مكتب القائد العام دعوات لكل "حواة " الأرض الجدد الذين باتوا نجوما مجتمع بعضهم غرق في الثروة والمتعة ، وقسما منهم مازال مخدوعا ..والباقي على أعينهم غشاوة الدعاية الأمريكية عبر جزيره الإخوان وأخوتها  ، وكانت الدعوات لاجتماعا تحت راية الوطنية المصرية ..كل التيار المدني شارك ، وتلقى الجميع عرضا سخيا بأن يمارسوا السياسة كما يريدون وكان الكلام واضحا أن القوى الظلامية هى الأقل عددا والأكثر تأثيرا والأعلى صوتا فقط لأنها منظمة ..وأن على التيارات المدنية هى الأخرى تنظيم صفوفها ..وحمل العرض كل وسائل الدعم ..بداية من مقار لكل فصيل سياسي ..وسمعت من أحدهم أن مساعد المشير طنطاوي قال لدينا مبنى تحت الإنشاء بالقاهرة الجديدة يمكن تحويله إلى مقر للتيارات السياسية. بل وأكثر من هذا أنهم سيتلقون دعما ماليا ايضا ..ولاحت بوادر استجابة في هذا الاجتماع وتحمس كثير منهم ..ولكن بعد ساعات من الاجتماع عاد التأثير الخارجي يهمين ، وتشاجر رفاق الميدان ..بفعل اتصالات من سفارات وعناصر الإخوان التي اخترقت الشباب بفعل الإغراءات.

طنطاوي البطل الشريف اجتمع مع أشباه الرجال من رموز النسخة المصرية من الثورات الأمريكية الملونة.. قالها بصراحه الجيش لا يريد السلطة لكنه يريد عبور المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد فحكم مصر هو "كره من النار" .

وكما توقع المشير الشريف.. راح الزعيم المصنوع ليناقش في اجتماعه مع رجال المخابرات الأمريكية ..ويتلقى التعليمات . .فضائح كثيرة وتفاصيل  أكثر لوقائع مسجلة فى ارشيف بلادنا ، ربما سيكشفها التاريخ بعد حين ، كما قال المشير طنطاوي نفسه وهو الذى يفضل الصمت .

رحم الله الراحل صاحب الفضل على كل بيت مصر ، في صون أمنه وضمان مستقبل أفضل من ذلك المخطط له ..

حملات وهجمات منظمة حاولت النيل من صمود الرجل ..وشجاعته ودهائه في معركة حماية وطن بكاملة ..لم تكن حرب يناير مثل كل الحروب التي خاضها منتصرا في ميادين القتال ..ففي المرات السابقة كان يقود وحدته لتنفيذ مهام محدده بنطاق جغرافي ..وحدود زمنيه ..أما هذه المرة ، تختلف المهمة كثيرا فنطاق العمليات يشمل حدود مصر بكاملها وربما أبعد ..والمهمة أكثر تعقيدا ..ولا تكفى قوة النيران فقط لحسم الحرب.

المشير طنطاوي رحل منتصرا لوطنه ولم يتنظر كلمة شكر من أحد ..فهو الزاهد في أي سلطة ..والصامت عن أي لغو ..والمنصرف عن الأضواء قدر استطاعته.

يائسا ..حلمت وحاولت أن أدون له مذكرات شخصيه وشهادات وطنيه على اكبر معاركه ..ولكن دون جدوى فهو يؤثر الصمت ..ودوما يرى أن الأحداث الكبرى مسجلة في أرشيف مصر ..وسيكشف عنها التاريخ في الوقت المناسب .
 الآن وبعد رحيل الرجل وعوده مصر إلى أمانها بل وأقوى مما يظن الكثيرون ..بفضل جهود كتائب أبناء مصر المخلصين ، ردوا للرجل بعضا من فضله..

وداعا سيادة المشير وعلى مصر أن ترد لك الجميل ..ليس فقط بتخليد أسمك على كبرى القواعد العسكرية ..لكن اجعلوه أيقونه حب الأوطان..

شكرا يأغلى الناس على ما قدمت من  بطولة وصمود أنت ورجالك في مواجهة الدبابات الأمريكية على أرض المزرعة الصينية على أرض الفيروز..

شكرا يا زاهد في متاع الدنيا من أجل وطنك.. فقد انتصرت ببراعة في حرب استرداد وطن . 

المقدمة من قصيدة سمعتها أيام يناير، وبعد تطاول أحدهم علي المخلص والمخلص "حسين طنطاوي".


 

 

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي