مسارات شائكة

نسرين موافي
نسرين موافي

نولد ببراح يسع الكون بدون حواجز أو قيود، بدون حد أقصى للأمنيات.حدودنا السماء، وبراحنا الأرض بما رحُبت فعلياً .
لا يحدنا شيء أو مكان، ويملأ مرحنا الحياة.
وكأننا نولد مالكين للحد الأقصى شديد الاتساع من الحرية بيننا وبين الناس في الحركة، القول والفعل الذي نبدأ به حياتنا ونبدأ في استنفاذه على مر الأيام.
علاقاتنا بكل ما حولنا مبنية على مشاعر و تجارب سابقة حتى و إن كانت صغيرة أو بسيطة.. فعلاقتك  بالأماكن مثلاً مبنية لا إرادياً  على مشاعرك تجاهها، فأنت هنا تشعر بالحنين..هنا تشعر بالراحة المطلقة..هنا تشم رائحة أوراق الجوافة و إن غابت..هنا تسمع ضحكات الأطفال و إن كبروا و غادروا المكان.. و هنا تقفل روحك كل أبوابها بل و تتصعد روحك لذكرى او لإحساس مؤلم داهمك .
هكذا نحن مع البشر ، فهذا اغلق في وجهي حديثًا أردت أن ابدأه ، و هذا ضغط علي لأقول ما لا أحب ، هذا استفز كل غضبي ،  و هذا ترك لي مساحة من الراحة و الطمأنينة لتنطلق كلماتي بل و احياناً دموعي أما هذا فأزال كل الحواجز بينما آخر بنى أسوارًا عالية لا أستطيع تجاوزها و احياناً لا اريد تحمل هذا العناء . 
في بداية العمر يكون لك كامل الحرية في علاقاتك،فأنت تفعل و تقول بل و تحلم بما تريد ، علاقاتك بكل من حولك بلا قواعد مسبقة تحكمها، فقط المشاعر الحقيقية و التلقائية تقول ما تريد وقت ما تريد حتى و ان اغضبت عزيزًا ، فهناك مساحة للتراضي و السماح .
لكن مع مرور العمر ..تتعقد العلاقات و تنقص المساحات، يومًا بعد يوم ينقص البراح بيننا و بين من حولنا  و تتولد كل ألوان المشاعر السلبية و نبدأ في تقسيم هذا البراح و إعادة صياغة شكله ،  فنبني أسوارًا هنا و نعلو بأخرى هناك.. نبني حواجز و تُبنى لنا أخرى..حواجز تنتقص من أرواحنا قبل براحنا ، فلا أحد يكون ابداً على طبيعته اذا ما حُدد له مساره سلفاً  ، فلا أحد يستطيع العيش حقاً  مع إحساس المسار الشائك..قل هذا و لا تقل ذلك، افعل هذا و لا تفعل ذاك ، سور هنا و حاجز هناك .
طبيعي أن تكون هناك علاقة طردية بين هذه الأسوار و مدى قرب بانيها، فهي أقل تأثيراً كلما كان الشخص خارج دائرة المقربين و العكس صحيح .
لكن ان توجد هذه الحواجز و الأسوار في العلاقات الخاصة شديدة القرب كالاصدقاء ، الأهل أو الأحبة هنا تبدأ هذه العلاقات طريقها السريع نحو الفشل .فمهما كنت  قريبًا أو حبيبًا لن يتحمل أحد طويلا أن تحدد له فيم يتحدث معك أو متى و كيف تعامله !
هذا نحدده مع أشخاص آخرين لكن أن تحدد  هذا مع من هم الأقرب لقلبك و تنتظر أن يكونوا على طبيعتهم ؟! كيف ؟!
و هنا أقصد تحديد العلاقة اليومية العادية بينكم..صحيح أنه من الصحي بل و من الضروري في أي علاقة مهما بلغت مدى قربها أن يكون لأطرافها مساحة شخصية ، لكن اتساع هذه المساحة لتشمل جميع الجوانب بل  لتشمل التعامل اليومي يؤدي لفقد الاهتمام و الشغف لأنك ببساطة تقضي على عفوية و تلقائية العلاقة .
كونك ترسم له طريق لا يحيد عنه فانت تفقده طبيعته بل و تفقد تلقائية الحديث و المعامله معه 
هنا أنت لا تضر به فقط ، أنت ايضا تضر بنفسك و بعلاقتكم سويا .
سيفكر ألف مرة قبل أن يخبرك عن ما يجول بخاطره أو حتي ما يحزنه ، و قد يخاف أن تهاجمه و تصدر أحكامك عليه . كل هذا لأنك حددت بينكم الشاردة و الواردة .
المساحة بينكم تقلصت و لا أحد يستطيع أن يكون سعيد و هو محدد الأفكار و المشاعر .

علاقات محكوم عليها بالفشل لأنها نُزعت أهم عنصر فيها ، نُزعت الحرية و البراح المساحة الطبيعية التي يأخدها الأنسان و يتمسك بها في مخيلته دائما علي أنها موطن طبيعته .
كما يتمسك دائما عندما يتحدث عن الراحة بذكري لمكان و اشخاص او حدث يسترجع فيه احساسه بالراحة

خذوا مساحتكم الشخصية بكل حرية و أعطوها لغيركم و أخلقوا مساحة بينيه بينكم تكفي لأن تشعروا سوياً بالبراح بينكم ، هذا البراح الذي يضمن استمرار الراحة ، التلقائية و الشغف بينكم ، قللوا الحواجز و اجعلوا لأحبائكم دائما مدخلا و مساحة خاصة مميزة .

 

 

 

 

 

 

احمد جلال

جمال الشناوي