ورقة وقلم

مكان البسطاء.. فى الجمهورية الثانية

ياسر رزق
ياسر رزق

هذه رؤية السيسى للعدالة الاجتماعية كما سمعتها على رحلة الهليكوبتر.. سمكة لـمن لا يقـدر عـلى الكـسب وسـنارة لمـن يـقـوى عـلى العـمل

يفوت العام السادس رمحاً من وسط السنين، ليستقر فى مكانه مضيئاً فى قلب صفحات التاريخ، وغداً يبدأ العام السابع لرئاسة عبدالفتاح السيسى منشئ الجمهورية المصرية الثانية.
غابت الجمهورية الأولى، جمهورية يوليو، خلف أستار تسلط الثروة على السلطة، وبدا أنها تقوم من بين الأموات، على وقع شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية فى بواكير أيام ثورة 25 يناير، ثم غيبها غبار وبارود وصياح وصخب الشهور التالية، حتى سقطت الجمهورية الأولى تحت سنابك الإخوان حين وثبوا إلى سدة الحكم وكان أوان الإعلان عن زوالها يوم جاهر مندوب الجماعة فى سدة الرئاسة باهالة التراب على سنوات حكم مفجر ثورة يوليو قائلاً: «الستينات وما أدراك ما الستينات»..!
< < <
منذ ست سنوات مضت، كنت أحد شهود مراسم تنصيب الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى رئيساً لجمهورية مصر العربية، وتسلمه منصبه فى وثيقة «تسليم وتسلم» وقعها معه الرئيس المؤقت السابق عدلى منصور.
كان ذلك فى حديقة قصر القبة الجمهورى البديع، مساء يوم 8 يونيو عام 2014.
عبق التاريخ كان يتسلل من جدران القصر العتيق، يختلط بعبير آت من أسوار الأشجار الشامخة التى تحتضن مجمع القصر، وحدائق الورود التى تتوسط البساط الأخضر الذى يمتد يميناً ويساراً على امتداد البصر حتى الأسوار الخارجية.
عطر المكان كان يسرى فى الأجواء مع نسمات الغروب، يشرح الفؤاد، بينما تتردد فى الأسماع موسيقى نشيد «قوم يا مصرى» تستنهض الهمم وتشحذ العزائم.
كل شىء حينما انتهى الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسى، من خطابه الملهم، كان ينبئ بأن عهداً جديداً طال انتظاره، يشرق عند حلول فجر اليوم الجديد.
رجل الأقدار.. هكذا قلت عنه وكتبت مبكراً من قبل أن يلبى نداء الشعب، ويقرر خوض انتخابات الرئاسة.
لبى الشعب نداء الرئيس، وقام المصريون، وحققوا النصر لمصر حينما صالوا وجالوا.
أتذكر الآن ما قاله رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان لكبار معاونيه ورجال الثقافة والصناعة والانتاج المجريين عن السيسى، فى حضور الرئيس خلال زيارته الأولى لبودابست منذ خمس سنوات.
وربما لا يعرف الكثيرون أن المجر هى أولى دول العالم خارج الأمة العربية، التى اعترفت بثورة 30 يونيو وعبرت عن احترامها لخيارات الشعب المصرى.
سعدت أيما سعادة وأنا أسمع أوربان صديق مصر يقول: «تصوروا معى حال مصر والمنطقة، لو لم يتول هذا الرجل الشجاع مسئولية الحكم فى بلاده!».
واليوم أستعيد كلمات أوربان، وأتساءل معه، وتنتابنى غصة تطبق على صدرى، وأحمد الله أن وهبنا رجل الأقدار.
< < <
أكثر مرة وجدت فيها الرئيس عبدالفتاح السيسى متأثراً، كانت فى صالون مكتبه كمدير للمخابرات الحربية فى مقر القيادة المشتركة. كان معنا شخصية عسكرية رفيعة الشأن تقرأ مسودة رسالة إلى الشعب، وحينما وردت عبارة شعب مصر الأبى الحر الكريم، صمت السيسى وقال بصوت تخنقه العبرات: حقا إنه شعب أبى كريم.
بعدها سمعنا السيسى يتحدث فى بيان للأمة فى مطلع يوليو 2013، غداة انفجار ثورة الشعب فى 30 يونيو، ثم فى أكثر من مناسبة، عن هذا الشعب الذى يعانى شظف العيش ولم يجد من يرفق به ويحنو عليه.
وسمعته فى غير مرة، قائداً ووزيرا للدفاع ومرشحاً للرئاسة ورئيساً يتحدث عن أحوال البسطاء وتصميمه على تحسينها وانتشالهم من نفق العوز إلى ساحة الكرامة تحت شمس الوطن.
كان المكون الاجتماعى فى فكر السيسى ثم مشروعه الوطنى يحتل الصدارة جنبا إلى جنب مع هدف انقاذ الدولة وتثبيت دعائمها، بل ربما كان هذا المكون هو أحد السبل لتحقيق ذلك الهدف.
وربما لا يعرف كثيرون أن أول قرار صدر فى أعقاب ثورتى يناير ويونيو يشى برائحة انحياز للطبقة محدودة الدخل، ويفصح عن جنوح حقيقى لتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو قرار رفع الحد الأدنى للأجور من 700 جنيه إلى 1200 جنيه، ما كان له أن يصدر لولا الفريق أول عبدالفتاح السيسى نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع فى ذلك الحين.
وتكشف مداولات مجلس الوزراء برئاسة الدكتور حازم الببلاوى فى أكتوبر عام 2013، أن غاية طموح بعض الشخصيات الوزارية المسيسة وحتى المحسوبة على اليسار، لم تكن تقترب من مبلغ ألف جنيه، لكن السيسى قال: ولماذا لا نرفعه إلى 1200 جنيه ونتحمل التكلفة؟ فلقد تحملنا كدولة كثيرا من الأعباء دون أن نزيح هما ثقيلا من على صدور المواطنين ونخفف من وطأة الغلاء.
< < <
لابد أن ننظر بفخر وإعجاب وربما بدهشة إذا نظرنا إلى الوراء 6 سنوات، وأطللنا على واقع البلاد الآن.
72 شهراً مضت على تولى الرئيس السيسى مهمة الانقاذ وإعادة البناء.
لم ينقطع العمل على مدار 2192 يوما على كل الأصعدة.
بدءاً من مكافحة الإرهاب فى الوادى وسيناء واستعادة الأمن والاستقرار، وتثبيت دعائم الدولة وبناء قواتها المسلحة واستعادة ثقلها الإقليمى ومكانتها الدولية وتعزيزهما، وحتى بسط العمران على أرض مصر وتغيير وجه الحياة على أرضها.
فى نهاية العام السابع من رئاسة السيسى، سيكون العمل قد انتهى فى انجاز 26 ألف مشروع بمتوسط يومى 10 مشروعات كل طلعة نهار، واجمالى تكلفة 4700 مليار جنيه، وقد تصل إلى 5 تريليونات جنيه، بالنظر إلى مشروعات جديدة يتطلع الرئيس إلى تكليف الحكومة وجهات الدولة بتنفيذها فى مجالات عديدة كالإسكان والصحة.
ولعلى تناولت تفصيلا فى مقالات سابقة، هذه المشروعات لاسيما العملاقة والحيوية والكبرى فى سيناء وفى كل أرجاء البلاد.
غير أن أهمية مشروعات العمران والبناء والتشييد لا تقتصر فقط على انجاز هذه المشروعات المهمة لاقتصاد البلاد ومستقبلها وتحسين معيشة المواطنين، وإنما تتجاوز ذلك لمسألة بالغة الأهمية هى توفير فرص العمل للمواطنين، خاصة البسطاء وغير المؤهلين على تخصصات العمل التى تتطلب مهارات معينة.
تلك المشروعات على مدار ست سنوات مضت، وفرت وتوفر 5 ملايين فرصة عمل للمواطنين، ولنا أن نتصور كيف الحال لو لم تركز الدولة على ولوج مجال التشييد والبنية الأساسية، ولو لم تتوافر مصادر الرزق بها لهؤلاء العمال.. وربما لم يسأل كثيرون أنفسهم، لماذا لم تعان الدولة من عودة المصريين العاملين بليبيا فى ظل الصراع الدائر هناك؟ ولماذا توقفت الهجرة غير الشرعية وظاهرة مراكب الموت التى كانت تنقل شباب البسطاء من الساحل المصرى إلى الموت غرقاً فى أعماق البحر المتوسط؟
ولقد سمعت الرئيس السيسى فى أكثر من حوار صحفى شرفت بأن أجريه وزملاء لى معه يشدد على أنه سيظل يشجع على الاتجاه لمجال العمران والمدن الجديدة والتشييد والبنية الأساسية نظراً لأن هذا المجال يوفر فرص عمل سريعة للبسطاء من العمالة العادية، ويفتح مجالات فى عشرات من الحرف والصناعات التى تغذيها صناعة البناء والتشييد، بينما مجالات الانتاج الأخرى تحتاج إلى سنوات لتستوعب العمالة، ولسنا فى ترف انتظار هذه السنوات.
< < <
14 مليون نسمة انضموا إلى خارطة السكان فى مصر خلال السنوات الست الماضية، منذ تولى السيسى الرئاسة.
كان عدد السكان 86 مليون نسمة، وقفز إلى 100 مليون فى الداخل المصرى وحده.
لنا أن نتخيل أن مصر زادت منذ عام 2014 ما يعادل ثلثى تعداد سكانها عند قيام ثورة يوليو.
لنا أن نتخيل أن القادمين الجدد من المواليد فى عهد السيسى يعادل عدد سكان تونس وقطر معا، وعدد سكان الأمة اليونانية العريقة وأورجواى معا، وعدد النرويج وسلوڤاكيا وكرواتيا معا، وعدد سكان سويسرا والدنمارك معا.
ولعلنا حينئذ ندرك حجم الأعباء التى أضيفت على جمهورية السيسى ومشروعه الوطنى لبناء الدولة الحديثة الثالثة، وقدر التحديات التى كان عليه أن يجابهها وأن يتخطاها، لاسيما فى مجال تحسين حياة البسطاء، فى وقت كان يصارع تهديدات ومخاطر على أصعدة أخرى فى الداخل والخارج.
< < <
منذ 4 سنوات ونصف، تشرفت بأن دعيت لأستقل الطائرة الهليكوبتر الرئاسية وزميل لى، لنرافق الرئيس السيسى ومعه أحد أقرب معاونيه إلى جبل الجلالة لنشاهد على الطبيعة ما يجرى من عمل هائل لشق الطريق وسط الصخور وإنشاء المدينة والمنتجع.
وعلى الطائرة سألت الرئيس عن رؤيته للعدالة الاجتماعية، وأوضحها فى عبارات موجزة، قائلا إنها كوب ماء نظيف لكل مواطن، مأوى كريم فى منازل لائقة لكل أسرة، محاطة بالحدائق والخدمات والملاعب والمدارس، فرص عمل مناسبة للشباب توفر لهم مصدر الرزق وتقيهم مذلة التعطل والبطالة وتقلل معدل الإعالة داخل الأسرة مما يزيد دخلها.
العدالة الاجتماعية فى نظر الرئيس كما سمعته يتحدث، هى توزيع المرافق والخدمات على أقاليم الدولة بالقسطاس مع التركيز على المناطق المهمشة والمحرومة، هى القضاء على كارثة ڤيروس سى التى تنهش أكباد المصريين، وهى أيضا عدم تصدير المشكلات لاجيال قادمة لتتحول إلى أزمات تستعصى على أى حلول.
سمعت الرئيس على رحلة الهليكوبتر، يلخص رؤيته للعدالة الاجتماعية، قائلا: «إنها سمكة لمن لا يقدر على الكسب وسنارة لمن يقوى على العمل».
< < <
على ذلك الدرب، مضى برنامج السيسى لتحقيق العدالة الاجتماعية والحماية المجتمعية ضمن مشروعه الوطنى لبناء الدولة الحديثة، وطن الشعب الحر الأبى الكريم.
أطلق السيسى برنامج تكافل وكرامة لتقديم الدعم النقدى للأسر معدومة الدخل التى تعول أطفالا بشرط انتظامهم فى التعليم، وتحرص على اعطائهم الأمصال الوقائية المجانية، بجانب الأسر التى تعول ذوى احتياجات خاصة أو المسنين أو المطلقات والأرامل المعيلات.
وامتدت مظلة برامج الدعم النقدى فى تكافل وكرامة ومعاش الضمان الاجتماعى الى 3.6 مليون أسرة تضم 15 مليونا و300 ألف فرد، وبلغ الحد الأدنى للمعاش المقدم للأسر المستفيدة من 325 جنيها الى نحو 605 جنيهات بمتوسط 505 جنيهات للأسرة. وزادت المخصصات لتلك البرامج فى الموازنة العامة للدولة أكثر من 300٪ منذ انطلاق برنامج «تكافل وكرامة» عام 2015.
وتم تقديم التسهيلات للجمعيات الأهلية لتتمكن من تقديم الدعم النقدى لنحو 500 ألف أسرة تضم 2.1 مليون فرد، مما زاد عدد المشمولين بالدعم النقدى الى 17.4 مليون فرد.
واستحوذ الصعيد من تلك البرامج الاجتماعية على نسبة 70٪ من إجمالى  تكلفة الدعم النقدى. بينما بلغ عدد المستفيدين من السيدات 2.7 مليون سيدة مقابل 900 ألف رجل.
وعلى مدار السنوات الماضية، تم إطلاق برنامج الرعاية الصحية لغير القادرين الذى يشمل نحو 7 ملايين من المواطنين الأولى بالرعاية دون أى تكاليف أو شراء أى مستلزمات، وبرنامج لرعاية الأطفال فى أول عامين من ميلادهم ومنذ فترة الحمل، لمعالجة سوء التغذية المزمن بهدف خفض معدلات وفيات الأطفال حديثى الولادة، وتطوير البرنامج القومى للتغذية المدرسية الذى يغطى أكثر من 10 ملايين طفل من تلاميذ المرحلة الابتدائية بتغطية 100٪، بينما تقتصر تغطية تلاميذ المرحلة الاعدادية عى المناطق النائية والحدودية.
أما أحدث البرامج الاجتماعية، فهو برنامج «حياة كريمة» الذى أطلقه الرئيس فى مطلع عام 2019 لتوفير الخدمات الأساسية فى القرى الأكثر فقراً التى تبلغ نسبة الفقر بها 70٪ وعددها 270 قرية، ويستهدف البرنامج مد وصلات المياه والصرف الى المنازل وإعادة بناء المتهدم منها، وبلغ عدد المنازل التى تم رفع كفاءتها نحو 44 ألفا خلال عامين، ويتكامل هذا البرنامج مع مشروع  سترة الذى يستهدف هدم وإعادة انشاء 10 آلاف وحدة.
< < <
ولعل أهم ملامح برنامج العدالة الاجتماعية فى المشروع الوطنى للسيسى هو انشاء 274 ألف شقة حتى نهاية العام المقبل، لاسكان نحو مليون و370 ألف فرد من قاطنى العشوائيات الخطرة من عشش الصفيح والبيوت المقامة على قمم الهضاب ذات الصخور الآيلة للسقوط أو على سفوحها.
وتسلم تلك الوحدات للمستفيدين وهى مزودة بالأثاث والفرش والأجهزة المنزلية.
وبالنسبة للشرائح الدنيا من الأسر متوسطة الدخل، يتم تنفيذ 725 ألف شقة فى إطار مشروع الاسكان الاجتماعى ويتم توفير الوحدات بتكلفة  الانشاء وسداد ثمنها على 20 عاما بفائدة مدعمة من البنك المركزى.
ومع تقديم المعونة للأسر الفقيرة، تم التوسع فى برنامج المشروعات متناهية الصغر لتحفيز الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل على العمل باعتباره السبيل الحقيقى للنهوض بمعيشة المواطن وحفظ كرامته، وتم توفير نحو 84 ألف مشروع بقروض متناهية الصغر خاصة للنساء وذوى الاعاقة.
وبرغم الاتجاه لترشيد الانفاق على الدعم فى إطار برنامج الاصلاح الاقتصادى، حرص الرئيس على استمرار عدم المساس بالشرائح الثلاث الأولى لصغار المشتركين فى الكهرباء والابقاء على دعم السلع التموينية ومضاعفة نصيب  الفرد فى البطاقة التموينية أكثر من مرة ليصل الى 50 جنيها لكل فرد فى الأسرة لأول 4 أفراد و25 جنيها لكل فرد بعد ذلك.
وعندما حدثت أزمة فيروس كورونا تم وضع برنامج لتقديم 500 جنيه إعانة شهرية لكل من تضرر بانقطاع مصدر رزقه، بجانب البرامج التى تنفذها الجمعيات الأهلية للأسر المتضررة.
ولعل ما جرى فى برنامج القضاء على فيروس سى شهادة على السعى الحقيقى لجمهورية السيسى من  أجل إحداث نقلة حقيقية فى  حياة المصريين، فقد انخفضت معدلات الإصابة الى ما يقترب من المعدل العالمى وتم إجراء الفحوص لنحو 60 مليون مواطن وعلاج مليون و100 ألف من بين  مليون و540 ألفاً حتى الآن وتقديم العلاج لهم.
وفيما يتعلق بأصحاب المعاشات، فقد ارتفعت الزيادة فى الحد الادنى من المعاش من 450 جنيها عام 2014 لتصل فى يوليو الماضى الى 900 جنيه، فضلا عن صرف متجمد العلاوات الخمس وفقا لأحكام القضاء بتكلفة 27مليار جنيه لهذا البند وحده.
< < <
ربما لو نظرت الى الوراء 6 سنوات وطالعت ما جرى بصورة مباشرة لإصلاح حال البسطاء من أبناء هذا البلد وما تحقق لهم ولغيرهم من أبناء طبقات الشعب الأخرى لتحسين مستوى المعيشة والنهوض بكل نواحى الحياة، حينئذ ستجد أن الشعب المصرى وجد أخيرا من يرفق به ويحنو عليه.