[x]

حديث الأسبوع

مجرد حبة أسبرين للتخفيف من أوجاع كورونا

عبدالله البقالى
عبدالله البقالى

عبدالله البقالى

لا جدال فى أن السياسة التى اعتمدها صندوق النقد الدولى إلى الآن قادت الكثير من الأقطارفى العالم إلى مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية, فهذه المؤسسة المالية العالمية التى تأخذ شكل وكالة دولية تابعة للأمم المتحدة, والتى قيل فى لحظة إنشائها قبل 74 سنةً من اليوم, إنها جاءت لإصلاح ما دمرته الحرب العالمية الثانية, وذلك بالتوجه نحو إقامة نظام اقتصادى عالمى عادل ومستقر, ولكنها مع توالى الزمن تحولت إلى أكبر وأقوى تجمع مالى, وإن قيل بأنه يعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمى ومساعدة الاقتصاديات الناشئة, فإن ذلك لا ينفى خضوعه لإرادة وهيمنة الدول العظمى التى توفر له التمويل الكامل, إذ إن تأثير الدولة العضو فى هذا الصندوق يرتبط بحجم مساهماتها المالية فيه, وبما أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان وألمانيا هى الدول الأكثر امتلاكًا للحصص فإن دائرة القرار لا تخرج عن هذه الدول, التى يضمن لها حضورها المالى القوى عضوية مباشرة ودائمة فى المكتب التنفيذى للصندوق, وهو الجهاز المكلف بالتسيير. ولم يعد خافيًا اليوم أن إرادة الهيمنة والتحكم فى هذه المؤسسة المالية العالمية التى تضم جميع دول العالم نحت بها من السعى إلى بناء نظام اقتصادى عالمى عادل وأكثر استقرارا, إلى آلية مركزية لتوجيه النظام الاقتصادى العالمى نحو خدمة مصالح الاقتصاديات العظمى. فإذا كانت قوانين هذه الوكالة وضعت الاستدانة المالية فى خدمة الاحتياجات الطارئة للدول الأعضاء بمواجهة الأزمات, فإن الاستفادة من موارد الصندوق عبر القروض تحولت فى إطار فرض سياق معين للنظام الاقتصادى العالمى, إلى وسيلة إخضاع عبر ربط الاستدانة بإملاء شروط محددة, تبدو من حيث الشكل, أنها تحرص على ضمان استرجاع الديون الممنوحة, ولكنها فى حقيقتها تمثل الشكيمة التى تقبض بها الدول العظمى لتوجيه النظام الاقتصادى العالمى والتحكم فى تفاصيله, ولعل الحاجة ملحة إلى التذكير بالكوارث الاجتماعية التى خلفتها هذه الشروط, والتى تبلورت باستمرار فيما يسميه خبراء هذه المؤسسة (سياسة التقويم الهيكلى) التى لا تعنى فى نهاية المطاف غير التحكم فى مقود السياسات الاقتصادية للدول الدائنة. وهى سياسة كانت ولا تزال تشترط عدم صرف الديون فى الاستثمارات العمومية فى مختلف القطاعات الاجتماعية من صحة وتعليم ورعاية اجتماعية وبنى تحتية وغيرها كثير, ففى مثل هذه المعاملات, لا توجد وجبة مجانية, فلكل عرض ثمنه, والطرف القوى فى مثل هذه المعاملات يملى شروطه على الطرف الضعيف.
لذلك حينما يصدر صندوق النقد الدولى تقريرا جديدا قبل أيام قليلة من اليوم (تقرير المراقبة المالية نصف السنوى) ويؤكد فيه (حاجة العالم إلى الإنفاق على أنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية والتغير المناخى) فإن ذلك يدعو إلى الاعتقاد بأن تداعيات انتشار وباء كورونا الخبيث, قد لا تكون اقتصرت على ما خلفته من خسائر بشرية ومالية واقتصادية هائلة, ولكنها قد تكون قادت بعض الأطراف إلى ما يشبه حالة هذيان, هذا إذا لم يكن تسويق مثل هذا الكلام فى هذه الظروف المالية الصعبة لا يعدو أن يكون حبات أسبرين, الهدف منها السعى نحو التخفيف من الآلام والأوجاع التى تسبب فيها انتشار وباء كورونا الرهيب, على أن تعود الأوضاع إلى سابق عهدها بعد أن تهدأ العاصفة.
من الصعب أن نلائم ما دعا إليه صندوق النقد الدولى فى تقريره الجديد مع سياساته المعتمدة فى معاملاته المالية مع جميع أعضائه, على قدم المساواة والتكافؤ, خصوصًا مع الدول الضعيفة وذات الاقتصاديات الناشئة, ولذلك يصعب التسليم بمصداقية الشعارات الرنانة التى حفل بها هذا التقرير.
فصندوق النقد الدولى يؤكد أن «معدلات الفائدة المنخفضة تتيح فرصة للاستثمار العام لتعزيز النمو وتحديث المطارات والموانئ والسكك الحديدية» ويضيف بالقول إنه «فى الدول التى تكون فيها المساحة المالية محدودة, قد يكون من الأنسب إعادة تركيز الإنفاق على الاستثمار فى أنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية والأفراد «.و لم ينس صندوق النقد الدولى أن يحث البلدان على التخطيط الآن لمشاريع استثمارية يمكن تنفيذها عندما يخف الوباء, واتخاذ تدابير يمكن نشرها بسرعة لمساعدة مواطنيها, داعيا إلى تعزيز ما سماها ب (إعانات البطالة وشبكات الأمان الاجتماعى), ببساطة كبيرة جدا لأن مثل هذه التوصيات الهامة والفعالة لا توجد إلا فى سجلات محاضر وتقارير جميع المؤسسات المالية العالمية من وكالات وصناديق والأندية الخاصة بالديون, فى حين لا يوجد لها أى أثر فى الواقع الذى يوجد عليه النظام الاقتصادى العالمى, ناهيك أن الجهة المعنية بمثل هذه التوصيات الرنانة والبراقة هى المؤسسات المالية العالمية, وفى مقدمتها صندوق النقد الدولى نفسه والبنك العالمى المطالبين بالتخلص من إرادة الهيمنة وإدخال تعديلات جوهرية على أنظمتها تحرر مساهمة الدول الأعضاء من القوة المالية, وتجعلها متساوية بما يمكن أن يفضى إلى المساواة فى المساهمة فى القرارات الاقتصادية العالمية, وجعل الديون وسيلة حقيقية لتحقيق التنمية, التى يجب أن تستفيد منها جميع الشعوب على قدم المساواة فيما بينها, لا فرق فيها بين أبيض وأسود, ولا بين الشمال والجنوب إلا بقدر الإيمان الحقيقى بحقوق الإنسان فى بعدها الكونى الحقيقى.
وما عدا ذلك يبقى مجرد هراء, أو بالأحرى مجرد تعتيم على الحقائق .