قصص وعبر| دموع أم يوسف اليتيم

الطفل يوسف
الطفل يوسف

انهارت الأم فوق أقرب مقعد، تنذرف الدموع على وجنتيها وكأنها جمرا يلهب وجهها الأبيض الذي يبدو متوردا، وكأنه لفحه الحر، تتضاعف دقات قلبها، الأحزان تعتصرها، والأوهام تمزقها، تئن أنينا خافتا لا يتجاوز صدرها حزنا على فلذة كبدها وابنها الوحيد "يوسف" ابن ال_١٨ عاما نتاج تعبها وسهرها، وهو الحصاد الذي انتظرته، وحلمت به أن يزهر بعدما زرعت فيه بذورا خيرة، وروته بدم قلبها، ودمع عينيها لتجده في أحسن حال، ولم تكن تعلم بأنه لم يتبقى منه سوى نعش من صندوق خشبي تصحبه إلى مثواه الأخير.

 

عكفت الأم الشابة عن الزواج بعد وفاة زوجها لتربية ابنها الوحيد، والذي كانت تمتلئ عينيها سعادة كلما شب واشتد عوده أمامها، أحبه الجميع فكان لاينطق غير حلو الكلام، دمث الخلق، يواظب على دراسته، ويعمل في آن واحد، ينفق على نفسه، ويساعد أمه ويدخر مما كان يحصل عليه بدلا من أن يتكففا الناس، ويمدا أيديهما.

 

تحمل آلام إحدى ساقيه، وأرهقه العمل، ولم يشتكى حفاظا على عدم اختفاء ابتسامة أمه التي كانت تعلو وجهها عند حضوره، وحنانها الفياض الذي كان ينسيه شقاء العمل، ويبعث في نفسه الأمل والصبر، ازدادت آلامه، ولم يعد جسده النحيل يتحمل فلم يجد سبيلا غير أمه يصارحها بما يؤلمه، ورأسه مثقلة بالتساؤلات، فالعمل هو السبيل الوحيد للحصول على مصاريفه كي بكمل دراسته.

 

وبحنان الأم اقتربت منه تمسح جبهته بيديها، وتربت على كتفه تؤازره، وتدعو له، ترمقه بنظرات العطف، فما كان منه إلا أن أفصح لها عما يجيش بصدره،  ومايشعر به من آلام في إحدى ساقيه، لم تتردد الأم، واصطحبته إلى إحدى المستشفيات الخاصة، فهو ملاذها في الدنيا، ووحيد عمرها، أخبرها الطبيب بعد توقيع الكشف الطبي عليه، وطالب بسرعة إجراء جراحة لتثبيت كسر بالساق اليسرى، ويحتاج إلى تركيب شريحة ومسامير.

 

 وقفت الأم أمام غرفة العمليات، فالأبصار معلقة بباب الغرفة بينما يرقد يوسف فاقدا للوعي، لا يشعر بالقلوب الباكية، ولا العيون التي ترقب أنفاسه، وما إن خرج عليها الطبيب يطلب بسرعة نقله إلى العناية المركزة حيث توقفت عضلة القلب، انطلقت صرخة مدوية من بين ثنايا فمها رجت أرجاء المستشفى، تلطم صدرها بيديها وسط مشهد تقشعر له الأبدان، ويلين له الصخر، تراود مخيلتها سنوات عمرها تتلاشى، ولم تحصد منها غير أسى وجراحات، تسير ببطء، تنهمر الدموع من عينيها، تستند إلى الحائط، فأبنها الوحيد وثمرة عمرها يرقد فوق فراشه الأبيض، مازال فاقدا للوعي، وعلا صراخها الذي أصبح في قوة الزلزال، وأحيانا تهدأ، وما إن علمت بوفاة ابنها بسبب جرعة بنج  زائدة، مما تسبب في وقوف عضلة القلب، راح ضحيتها وحيد عمرها،  اهتزت أمام عينيها كل المرئيات، وسقطت مغشيا عليها، وتعاظمت الدهشة على وجوه الحاضرين، فالجراحة ليست بالخطيرة حتى يموت ابنها بسبب إهمال طبي.

 

على الفور كلف اللواء عبدالحميد الهجان محافظ القليوبية، الدكتور حمدي الطباخ وكيل وزارة الصحة، بالمرور على المستشفى الخاص، واتخاذ كل الإجراءات القانونية، وإغلاق جناح العمليات، واستمرار حملات الرقابة على كافة المنشآت الصحية لضمان تقديم الخدمة.

 

واصطحبت الأم وحيد عمرها في كفنه الأبيض إلى مثواه الأخير تمطر دموعها تراب قبره، وبداخلها ألم وغصة، على فراقه، تزدحم برأسها صور طفولته، ومنذ أن كان في احشاءها، تئن من ضعف طفولته، ومسكنة صغره، وما كان يزيدها نموه إلا ثقلا وضعفا حتى فارق الحياة التي لم يلحق أن يرتوي منها.

 


 
 
 

 

ترشيحاتنا