«من فات قديمه تاه»..

حوارى مصر التاريخية| «الروم».. حارة «الوحدة الوطنية».. و«المغربلين» شكلت وجدان المصريين

حوارى مصر التاريخية| «الروم».. حارة «الوحدة الوطنية».. و«المغربلين» شكلت وجدان المصريين
حوارى مصر التاريخية| «الروم».. حارة «الوحدة الوطنية».. و«المغربلين» شكلت وجدان المصريين

شوارع وحوارى وعطوف مر عليها عشرات السنين لتصبح شاهدا على أحداث تاريخية وتحمل بين طياتها ذكريات وروايات أهالى كل منطقة وتحكى جدرانها العديد من الأحداث التى عاصرها سكانها، فما بين «حارة السكر والليمون».. و«العيش والملح».. ودرب «المواهى وبير القتلة».. وغيرها من الحوارى والشوارع التى كانت جزءا لا يتجزأ من تاريخ مصر تجد العديد من القصص والروايات والحكايات تعود بك عشرات السنوات إلى تلك الحقبة.

 

لكن للأسف لم تعد تلك الأماكن تحتفظ بملامحها الحقيقية لتتبدل الوجوه وتتغيرملامح تلك الاماكن ليصبح كل المتبقى منها هو مجرد اسم معلق على لافتة تشير إلى اسم الشارع والمكان.. قمامة..بقايا منازل مهدمة ورش ومحلات أصبحت تحاصر هذه المناطق التاريخية التى تئن من فرط الإهمال وتحتاج إلى نظرة من المسئولين من أجل الحفاظ على ملامحها التاريخية.

«كنيسة تعانق المسجد»

البداية كانت فى منطقة الغورية والتى بمجرد أن تطأ قدماك أرضها تشعر وكأنك فى العصر الفاطمى فمازالت تحتفط هذه المنطقة برائحة التاريخ فيها حتى الآن، وبها أحد أشهر الأسبلة وهو سبيل محمد على باشا الذى تم ترميمه منذ عدة سنوات ليعود له رونقه من جديد، إلى يمين السبيل حارة صغيرة محفور عليها اسم الشارع وهو شارع الروم والذى يعد أحد أهم شوارع المنطقة ويتفرع منه درب الروم وعطفة الروم وبها يتجلى معنى الوحدة الوطنية بالمعنى الحقيقى ففيها كنيسة من أقدم الكنائس الأثرية وهى «كنيسة سمارينا» وأمامها مسجد أثرى مئذنته تشير إلى عمره الذى تعدى مئات السنين.


«لافرق هنا بين مسلم ومسيحى».. هكذا بدأ عم صلاح وهو واحد من أقدم سكان حارة الروم حديثه معنا ليقول: إن ملامح المكان لم تعد كما كانت نهائيا، فأغلب المنازل القديمة تحولت إلى بيوت جديدة وتبقى من القدم بعض الحجارة وبقايا منازل فقط لتحاصرها القمامة فى مشهد حزين.


ويستكمل حديثه قائلا: إن المشهد القديم للحارة يتجسد كما تراه فى الأفلام الأبيض والأسود تماما ..المنازل عبارة عن بيوت صغيرة متراصة إلى جوار بعضها البعض،الشبابيك كانت عبارة عن مشربيات من الأرابيسك،وكان السكان يكنون لبعضهم كل المحبة والود وتشتهر المنطقة هنا بكثرة الكنائس والمساجد بها ويعود تسميتها إلى حارة الروم أنه كان كثيرا ما كان يتردد على المنطقة العديد من اليونانيين والرومان من أجل زيارة الكنيسة.. ولكن مع مرور الوقت لم يعد هناك من يأتى منهم،لتمر السنوات وتتبدل أحوال الحارة وتصبح محاصرة بالقمامة والورش بدلا من الحرف اليدوية التى كانت تملؤها.


و يستطرد قائلا: إنه حتى الأجيال الحالية تختلف كثيرا عن السكان الأصليين للمكان،فالتك توك حل محل الصناعات والحرف اليدوية والصوت العالى والضجيج أصبح سمة رئيسية هنا، ولكن بالنسبة لى ولمن يمثلون جيلى مازلنا نحتفظ بذكريات بيوتنا القديمة وأجواء الحارة كما اعتدناها ويكفينا أن أحد أشهر الكتاب كان يقطن هنا وهو الكاتب يوسف السباعى،فمثل هذه المناطق كانت تخرج العظماء الحقيقيين.

 

«غربلة» الحبوب سبب التسمية

«منطقة الدرب الأحمر كانت منطقة النجوم».. بهذه الكلمات بدأ عم حسن حديثه معنا أثناء تجولنا بالحى ليقول: هنا ولد الإعلامى حامد جوهر والمطرب شفيق جلال وبديع خيرى، والمقرئ محمد رفعت.


فالمغربلين كانت من أفضل أماكن مصر القديمة وكانت نبض القاهرة الفاطمية فمنها خرج الكثير من العظماء،ولكن أهميتها لا تكمن فى سكانها فقط،بل ترجع إلى كمية الآثار الإسلامية الموجودة فيها من المساجد الإسلامية مثل زاوية «كتخدا» والتى أنشأها الأمير عبد الرحمن كتخدا منذ حوالى ثلاثة قرون ويعتبر هذا الأثر من أجمل آثار كتخدا بمدينة القاهرة ويوجد بالمغربلين مسجد «جانى بك» ومسجد «قرطبة الذهبى»،و العديد من المساجد الأخرى التى يشتهر بها حى المغربلين.


و يستطرد عم حسن حديثه معنا ليشرح لنا سبب تسمية الحى بهذا الاسم وأن ذلك يرجع إلى شهرة المنطقة آنذاك بتجارة الحبوب وتحديدا مرحلة «الغربلة»، لتنظيف الحبوب أو الغلة من اى شوائب او أتربة موجودة بها.


لتدمع عينا عم حسن أثناء الكلام وهو يقول «رجعتونى لأحلى أيام عمرى»،فقد مر شريط عمرى أمام عينى بطفولتى وشبابى وحكايات أهلى عن الحى فأنا وجيلى ممن تخطت أعمارهم 80 فأكثر نعيش على ذكرى هذه الأيام خاصة مع صدمتنا بما حل بالمنطقة من تشويهها بالتوك توك وتحويل جدران المناطق الأثرية إلى فاترينات لعرض الملابس،على مرأى ومسمع من الجميع.

 

«السكر والليمون».. حاربت «الكوليرا»

تعد منطقة مصر القديمة أشهر المناطق التى تمتلىء بالشوارع والحوارى التاريخية ولكن القليل منها الذى لايزال موجودا حتى الآن فخلف سور مجرى العيون توجد العديد من الحوارى التى تمتلىء بقصص وحكايات كثيرة ولكن كانت الصدمة اثناء رحلة بحثنا عن حارة من أشهر حوارى مصر القديمة وهى حارة السكر والليمون التى بمجرد دخولنا إلى خلف السور وبمجرد سؤالنا عنها وجدنا انه لا يوجد احد من السكان او شباب المنطقة يسمعون عنها شئيا،بل والامر الاكثر دهشة هى علامات التعجب التى ترتسم على الوجوه عند السؤال عن اسم الحارة لتكون أغلب الإجابات إما علامات استنكار على الوجوه من وجود حارة بهذا الاسم من الأساس والبعض الآخر نفى وجودها من على الخريطة.


الامر الطريف أن اسم الحارة كان معلقا على أحد الحوائط الجانبية وخلف بعض ممن قمنا بسؤالهم لنجد أحد الأشخاص الذى ترك الزمن بصماته عليه وهو رجل كهل فى العقد الثامن من عمره يبدأ حديثه معنا «الدنيا اتغيرت والناس كمان» لنتعرف على الحاج حسنى أقدم سكان المنطقة يقول إن قليلا جدا من سكان الحارة القدامى هم القاطنون حاليا بينما الباقى إما توفوا أو اختاروا السكن خارج الحارة بسبب الحال التى أصبحت عليها.

 

ويستكمل حديثه قائلا : إن الاسم على الرغم من غرابته إلا أن له قصة شهيرة تعود إلى أحد الباشاوات القدماء واسمه عبد القادر باشا عندما دخل مرض الكوليرا إلى مصر وأصاب الكثير من سكانها قام ببناء مجموعة من الأزيار ووضع فيها ليمون لكونه العلاج الوحيد للكوليرا فى هذا الوقت ومن أجل ان يستلذه الناس قام بتحليته بالسكر حتى يصبح مستساغا لهم ومن هنا جاءت تسمية السكر والليمون،فكل حارة او منطقة قديما كانت تعود تسميتها إما لحرفة أو بسبب حدث أو موقف معين وللاسف الأجيال الحديثة لا تعرف شئيا عن منطقتها أو عن الشوارع التاريخية فى مصر وحتى خريطة المنطقة تغيرت بالكامل ولم يتبق من ملامحها القديمة سوى حطام منازل قديمة تم هدمها من أجل بناء بيوت حديثة لتبقى لافتة الشارع هى الشاهد الوحيد على الاسم والأحداث فقط.

 

«القطن»..الأصالة تنافس الحداثة

أثناء خروجنا من حارة الروم وأمام سبيل محمد على يوجد حارة تعرف باسم حارة القطن ومازالت حتى الآن مسماة بنفس الاسم وتعود تسميتها بذلك إلى أنه كان يقام فى هذا المكان سوق لبيع القطن المصرى للتجار وللأفراد،و حتى الآن يوجد بعض المحلات القليلة التى تعد على أصابع اليد الواحدة مازالت متمسكة بنفس النشاط لتجد أمامها أجولة مملوءة عن آخرها بالذهب الأبيض،اما باقى المحلات المجاورة فتغير نشاطها إلى بيع بعض من مصنوعات الخيامية من مفارش وسجاجيد وغيرها من المنتجات التى تشتهر بها المنطقة فى الوقت الحالى،لتبقى حارة القطن أحد الحوارى التى تحاول أن تتشبث بماضيها متحدية أى تغير زمنى أن يترك بصماته عليها.

 


---

 
 
 

 

ترشيحاتنا