أخر الأخبار

إنها مصر

مصر التى نبحث عنها !

كرم جبر
كرم جبر

تغيرت الشخصية المصرية وتراجع «المصرى بتاع زمان»، المشهور بالمروءة والرجولة والشهامة، وأصبحنا نرى أصنافاً غريبة من البشر.
لم يكن المصريون يعرفون الكذب، حتى جاء يوم يقف فيه شهود الزور المأجورون أمام المحاكم «شاهد يا بيه»، ويوزعون «بيزنس كارت» للاستعانة بهم عند الحاجة.
لم يكن «أولاد الحتة» بهذا السوء ويترصدون بنات جيرانهم، بل كانوا فى منتهى الشهامة، يعرفون العيب، ولا يتلصصون ولا يتحرشون، ولا يساومون على الشرف والعفة.
كان شيوخ مساجدنا رموزاً للطيبة والسماحة، وعلى وجوههم يشع نور خفى يعكس حلاوة الإيمان، والآن بعضهم «أعوذ بالله»، وأحدهم يسير على السجادة الحمراء فى مهرجانات الأفلام.
ومن أظرف المواقف أن الشيخ عبد الهادى، عندما سأل طبيبه الدكتور أنطون «آكل إيه» قاله «كل أى حاجة إلا أجرة الطبيب» وضحكا وتصافحا، فقد كانا أكثر من أخوة، فى زمن جميل.
لم نكن نرى أو نسمع عن ذلك البلطجى الحقير، الذى ربط مهندسا ومحاسبا بالأحبال، وظل يضربهما بالأحذية، لمجرد اختلاف بسيط، فأراد أن يؤدبهما، حتى يخاف بقية أهل الشارع.
ولم يصادفنا بلطجى فتوة يسوق سيارة، ثم ينزل ويحطم سيارة ووجه آخر، لمجرد الاختلاف على أولوية المرور، ولسانه يقول «هو مش عارف أنا مين».. «ابن كا...» الله يلعنك.
كانت أمهاتنا أمهات بمئة رجل، وتخرج على أيدى الأمهات غير المتعلمات أعظم الرجال، وكانت ثقافتهن الحياتية أعظم من كل الشهادات، وأهم بنودها الأصول والاحترام.
لم يكن الفقر عيباً، أو دافعاً للجريمة والسرقة والرشوة والحرام، وإنما كان حافزاً على العمل والكسب الحلال والغنى المشروع من عرق جبين الشرفاء.
نعم تغيرنا، وهبت على الشخصية المصرية رياح شوهت معالمها، وحجبت محاسنها وأبرزت مساوئها، وانقرضت السمات الإيجابية التى كانت تميز المصريين.
نعم، كان عنواننا «التعايش السلمى الآمن بين أبناء كل الديانات»، المسلم يذهب إلى المسجد، والمسيحى إلى الكنيسة، ولا فرق، الشكل والملامح والزى واللكنة واللسان واحد، بنكهة مصرية.
انصهرت الرقائق المتتالية للحضارات المتعاقبة فى الهوية المصرية، فأفرزت شخصية منفردة لها ميزات أصيلة، من خبرات الحضارات والثقافات.
الشخصية المصرية هى رمز لمكونات الإبداع الفنى والثقافى، وأخذت العلوم والفنون منهجاً للرقى والوعى، وسطعت أنوارها فى سماء المنطقة كلها.
كنا نحترم الاختلاف ولا نحتكم للخلاف، ونعتبر الآخر جزءا من حيوية المجتمع وتفاعله، وعاش على أرض مصر بشر من كل الأجناس والديانات، دون تفرقة فى المعاملة.
مصر مهد الاعتدال والوسطية، وشعبها عاشق بفطرته للأديان، ويشهد تاريخه أنه كان سباقاً إلى استقبال الرسالات السماوية والانضواء تحت تعاليمها النبيلة.
المصريون أصحاب العبارة الخالدة «الدين لله والوطن للجميع»، وتعلموا منذ نعومة أظافرهم أن حب الأوطان لا يتعارض مع الأديان، فصار الدين والوطن من علامات الإيمان.
مصر التى نعرفها عظيمة وكريمة وأم الأمم، قد تضعف ولكن ينقلب ضعفها قوة وعزيمة.. لأنها مصر.