العلاج النفسي ليس «البعبع» القاتل!

< العلاج خطوة مهمة لكنه لم يحظ بفرصته فى مصر
< العلاج خطوة مهمة لكنه لم يحظ بفرصته فى مصر

سنوات طويلة ظلت صورة العلاج النفسى فى أذهاننا مرتبطة بذلك البالطو الأبيض المقلوب، وجلسات الصدمات الكهربية التى يتعرض لها المريض وهو بكامل وعيه، ناهيك عن حبات المنوم والمهدئات التى يستخدمها المريض كل ليلة، حتى تشوهت حقيقة ودور كل من الطب والطبيب النفسى لدينا.. ومع مرور السنوات وزيادة الضغوطات التى نعانى منها، ارتفعت وبشكل كبير نسبة المرض النفسى بمختلف أشكاله داخل المجتمع، حتى أصبحنا فى حاجة ماسة لطلب العون من المتخصصين، لكن تعود مرة أخرى الصورة الذهنية للعلاج النفسى تهاجمنا، فتتسبب فى العزوف عن العلاج.. وفى هذا التحقيق تحاول «الأخبار» رصد الصورة الحقيقية للعلاج النفسى، وأهميته وأبرز طرقه الحديثة المستخدمة، فنناقش مع الطرفين ـ المريض والطبيب ـ الوجه الآخر لرحلة العلاج التى شوهتها شاشات السينما.

تعد نسب الإصابة بالمرض النفسى داخل المجتمع المصرى أمراً مخيفاً، فوفقاً لنتائج آخر دراسة بحثية عن معدل انتشار الاضطرابات النفسية بمصر، والتى أجريت ضمن المسح القومى للصحة النفسية لعام 2018، فإن 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية، أى بمعدل 1 من كل 4 أشخاص، وبالرغم من ذلك فقد أشارت الدراسة إلى أن 04. % منهم فقط يلجأون للعلاج عند طبيب نفسى!!.
خلال بحثنا الذى استمر عدة أسابيع عن حالات من تلك النسب القليلة التى لجأت للعلاج عند طبيب نفسى، تصادفنا بـ «علا منصور»، والدة لطفلين وتعمل بمجال النشر، فكانت إحدى الحالات التى ترددت على أكثر من طبيب نفسى للبحث عن علاج مناسب.
بدأت علا حديثها قائلة: «كنت بعانى من قلق رهيب وخوف بدون مبرر أو سبب واضح، وبتنتابنى حالات بحس فيها زى ما يكون قلبى هيقف ونفسى مضطرب، وعدم رغبة فى الأكل أياما طويلة وأرقا شديدا.. رحت لطبيب عادى لكنه قاللى إن دا بسبب نفسى ونصحنى أراجع طبيب نفسى ومن هنا بدأت الرحلة».
وعن اتخاذ خطوة اللجوء لطبيب نفسى أكدت علا أنها فى البداية كانت قلقة للغاية فلا تدرك ما يواجهها، إلا أنها كانت مصرة على الشفاء مهما كلف الأمر، ومع مرور الوقت أدركت أن الأمر مختلف تماماً عما كان مرسخا بعقول الجميع منذ القدم فأشارت قائلة «المريض النفسى ممكن علاجه والشفاء من حالته بالجلسات والأدوية.. خلينا نتخيله كمريض السكر، لما بيتعرض لصدمة بيحتاج علاج يعوض نقص إفراز هرمونات المخ عشان يواجه الصدمة.. زى مريض السكر اللى بياخد انسولين لو أكل حاجة مسكرة عشان يعوض نقص إفراز الأنسولين من البنكرياس».
فكرة خاطئة
أضافت «علا» أن هناك أسبابا عدة تجعل المريض يهرب من العلاج مثل اعتقاده أنه سيتحول لمدمن على المهدئات فأوضحت قائلة: «الناس لسه بتخاف من العلاج النفسى ومن كلمة دوا جدول كأنهم هياخدوا مخدرات مثلا.. لكن موضوع الجدول دا إن العلاج حساس مايتاخدش إلا بأمر طبيب زيه زى المضاد الحيوى لكن الناس بتتهاون فى المضادات الحيوية رغم إنها لازم تتعامل معاملة أدوية الجدول ولا تصرف إلا بروشتة».
وعن طبيعة العلاج الذى اتبعته أكدت أن هناك أطباء تعتمد على العلاج فقط بدون جلسات سماع، والبعض الآخر يفضل الجلسات مع العلاج، وهى نفسها جربت الطريقتين موضحة أنها مثل أى مرض عضوى تعرضت له فقد أخذ التحسن منها وقتا بالطبع لكى تشعر به.
وبالرغم من كل ذلك ومن إصرار «علا» على التحسن إلا أنها تعرضت فى كثير من الأوقات للسخرية، فأوضحت قائلة: «بالنسبة لعيلتى كانت واقفة جنبى بشكل كبير لكن بعض أفراد العائلة التانيين كانوا شايفين إن دا دلع.. وطبعا اتعرضت لبعض السخرية من بعض الناس».
أما نادر محمود، طالب فى المرحلة الرابعة بكلية الهندسة، فأوضح أنه بدأ رحلة العلاج النفسى «سرا» منذ نحو عام ونصف الشهر، لكنه قرر مؤخراً مصارحة والدته بالأمر بعد أن تعرف بشكل كبير على طبيعة العلاج، فقال «من حوالى 3 سنين بدأت أحس بخوف كبير غير مبرر وبقيت اتخيل دايما أن كل اللى حواليا عاوزين يؤذونى بأى شكل، لدرجة أنى مكنتش بخرج من اوضتى بالأسابيع، وفى النهاية زارنى واحد صاحبى واقترح اننا نروح لدكتور نفسى».
وأضاف نادر أن هذه الخطوة تطلبت أشهر عديدة خوفا من أن يتم حجزه فى مصح نفسى كما يشاهد على شاشات التليفزيون، لكنه أدرك حقيقة الأمر مع أول جلسة قائلاً «دخلت للدكتور وبدأت احكيله على كل حاجة وهو كان بيسمع وبيتناقش معايا زى أى دكتور عادى وف الآخر ادانى كام نصيحة وكتبلى روشته وبدأت اتردد عليه فى المتابعات وأخيرا دلوقتى بدأت أجرب العلاج الجماعى ودا كان بناء على طلبى شخصيا لأنى حسيت فعلا انى محتاج اشارك اللى جوايا».
وأشار نادر إلى أنه بعد أن شعر بتحسن بدأ فى سرد كل ما حدث لوالدته التى رحبت بفكرة العلاج بشكل كبير خاصة بعدما رأت بعينها التحسن الكبير، لكنه أكد أنه كأى مرض يمكن أن تحدث انتكاسات وهنا يأتى دور الأقربين فى العلاج فمساندتهم والاعتناء بالمريض له دور فعال.
واختتم حديثه قائلاً: «ياريت نوسع فكرنا شوية ونبطل نبص للمريض النفسى أنه «ياحرام» مسكين ومجنون وان حله السرايا الصفرا لإن كل دى خزعبلات.. أنا فى حالتى الطبيب النفسى انقذ حياتى فعلا من الدمار».
تصحيح مفاهيم
على جانب آخر تواصلنا بدورنا مع عدد من المختصين لنناقش جوانب الموضوع، ففى البداية أكد د.جمال فرويز، استشارى الطب النفسى، أن الصورة الذهنية عن العلاج النفسى لدى الكثيرين خاطئة بالكامل، وأن الأمر الأكثر تداولاً هو العلاج بالصدمات الكهربية والتى فى البداية يجب التوضيح أنها معتمدة عالميا منذ عشرات السنوات، لكنها بالطبع لا تتم بالصورة التى تقدمها الأفلام والدراما.
وأوضح فرويز أن لتصحيح المفهوم حول هذه الجلسات لابد أن يعى المواطن ماهيتها، مؤكدا أنها لا تتم كما يعتقد الكثيرون داخل غرفة المريض وهو بكامل وعيه، بل على العكس تمام فهى لا تتم سوى فى غرفة العمليات المجهزة أو الانعاش، ويكون المريض قد تم تخديره بالكامل فى غرفته أولاً ثم ينقل ليتلقى جلسة كهربية لا تتعدى 3 ثوانى فقط.
وأضاف أن هذه الجلسات لا تتم إلا بموافقة المريض نفسه أو ذويه، كما أنها لا تتم إلا بإبلاغ المجلس الأعلى للصحة النفسية، وقبلها يتم فحص المريض من قبل طبيب باطنة للتأكد من رسم القلب وغيرها، كما أن المسئول هنا يكون طبيب التخدير لأنه المخول بالتأكد من صلاحية المريض طبيا للتخدير وتلقى الجلسة.
مع ذلك أكد فرويز أنه هناك حالات استثنائية من الممكن فيها إعطاء المريض الجلسة ثم إبلاغ المجلس الأعلى للصحة النفسية عقبها، وتكون فى حالات «الانتحار» و»الفصام»، وأخيرا إذا وصل المريض فى حالة تهيج كاملة فى الفترة المسائية فيضطرون لإعطائه الجلسة فورا بعد موافقة طبيب الباطنة والتخدير ثم إبلاغ المجلس.
تطور واضح
على جانب آخر أشار فرويز أن البحث العلمى تطور بشكل واضح وكبير فى علاج المرض النفسى بمصر، فمؤخرا على سبيل المثال نوقشت رسالة بطب عين شمس تمكنا من إجراء أشعة رنين نتعرف من خلالها على التغيرات ببعض المناطق بالمخ والتى تشير للوسواس القهرى والفصام وغيره، وهى نفس فكرة أشعة «mri» التى لم تكن متوافرة سوى فى أمريكا.
تعد الأدوية الموصوفة من أساسيات العلاج النفسى كأى مرض عضوى، ويشير فرويز إلى أنه يتم وصفها للمريض بعد موافقة الـ «FDA» على نوعية الدواء وعلى الجرعة أيضا، وفى هذا السياق أكد فرويز أن العقاقير الخاصة بالمرض النفسى متوفرة فى مصر بشكل كبير، بل إن هناك تقدما ملحوظا فى توفير عقاقير جديدة بأسعار مناسبة وأحدثها عقار جديد لمرض الاكتئاب سيتوافر منتصف نوفمبر الحالى.
أما عن طرق العلاج الأحدث وهى «الاون لاين» فيؤكد فرويز أنها مفيدة بالفعل لكن فى حالات المتابعة، مؤكدا أن الكشف لأول مرة من الأفضل أن يكون وجها لوجه بعد ذلك يمكن المتابعة بأى وسيلة كما يحدث مع المرضى من الدول الأخرى.
على الجانب الآخر أكد د.يحيى الرخاوى، أستاذ الأمراض النفسية بطب قصر العينى، أن تناول الدراما وبعض الإعلام للمشاكل والمسائل النفسية قد بلغت من التسطيح ذروته، مضيفاً: «أكاد أقول الاستهانة والعبث والتشويه ما يحتاج إلى وقفة ومناقشة مستقلة».
وأوضح أنه مع انتشار الحديث فى الوقت الراهن عن علاج المرض النفسى، لابد أولا من التفرقة بين العلاج النفسى لمريض يعانى فعلا حتى الإعاقة أو الإضرار، وبين من يريد أن «يحسن نفسه» من باب التحلى بالديكورات حتى العلاجية الأحدث، وهنا تصبح مسئولية المعالج طبيبا كان أو معالجا نفسيا مختصا مسئولية أخلاقية وتربوية وحضارية، جنبا إلى جنب مع كونها مسئولية مهنية وحرفية.. وأضاف قائلاً «لكل ذلك ينبغى أن نواصل التنبيه على ضرورة الإشراف المنظم على كل الممارسات التى تجرى تحت عنوان العلاج النفسى.. ولا أعنى بذلك مجرد الإشراف القانونى والتأكد مثلا من الحصول على ترخيص بمزاولة هذا العمل الصعب المسئول، وإنما أعنى الإشراف التدريبى والنقدى الذى له مستويات متصاعدة وتشكيلات متكاملة».
نظام ومسئولية
أوضح الرخاوى أن عملية الإشراف التدريبى والنقدى له عدة مستويات أولها أن يتم العلاج تحت مظلة ممارس أكبر يلتقى بالمعالجين الأصغر بانتظام وباستمرار، وثانيها أن تتم لقاءات مماثلة بين المعالجين من نفس الدرجة، لتكون لقاءات موازية دون مشرف أكبر يستفيدون فيها من خبرة بعضهم البعض وهو ما يسمى إشراف القرناء (القرين هو المساوى فى الدرجة)، وثالثهما أن توجد فرصة إشراف جماعى لمناقشة قضايا مرضية عامة تحتاج لأكثر من رأى أو أسلوب حتى يستفيد الممارسون من بعضهم البعض.
وأشار إلى أن بعد ذلك يكون هناك إشراف المعالج على نفسه ومراجعته لأدائه أولا بأول، وهذا يتضمن إشراف ضميره ونتائجه، وقبل وبعد ذلك إشراف ربه، «بلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ»
أما عن وسائل العلاج الحديثة فأكد الرخاوى أن «العلاج الجمعى» للمرضى يعد نقلة رائعة أهم وأخطر، إلا أنها لم تأخذ حظها فى مصر بدرجة كافية فى التدريب والمتابعة، حتى حَسبِ الجميع «مرضى ومعالجين» أنها «قعدات جماعية»، مع أنها تتناول جدلا نيوروبيولوجيا على مستويات أعمق وأعمق من الوعى تتجاوز مجرد النقاش والإقناع.
وأضاف الرخاوى أن جلسات العلاج الجمعى تشمل عمليات فرصة تكوين وعى جماعى قادر على تصحيح تخثر الوعى الفردى وبالتالى بالمرض أو بالانحراف، ثم إن هذا العلاج إذا تواصل تحت إشراف مناسب أيضا فإن إيجابية تخليق الوعى الجماعى تمتد إلى الوعى الأوسع وعى المجتمع بشكل تلقائى، ومن ثَمَّ إلى الوعى المطلق «اجتمعوا عليه وافترقوا عليه».. ومع ذلك فقد أوضح الرخاوى أنه شاعت مؤخرا على الجانب الآخر موجات من العلاجات المتنوعة وكلها أدرجت نفسها تحت لافتة العلاج النفسى بشكل أو بآخر، قائلاً «برغم ما يبدو فى ذلك من مظهر التقدم للمشاركة فى الأحدث والأحدث فيما يجرى فى العالم المتقدم فإنى لاحظت أن المسألة زادت عن إمكانيات القائمين بها حتى تجاوز البعض الحدود المفروضة، كما عجز آخرون عن الوفاء بمستلزمات مهنة من أصعب وأدق تشكيلات المعالجة لمن يسمون المرضى النفسيين بل لعل المسألة أصبحت عند بعض القادرين بمثابة «مكلمة» لتزجية الوقت، أو فرصة لتبرير التوقف أو الهمود».
سياسة مدروسة
أما د.سوسن الفايد، أستاذ علم النفس الاجتماعى فأكدت أنه لابد أن تكون هناك سياسة إعلامية مدروسة فيما يخص بث مشاهد أو موضوعات تتناول المرض النفسى، فينبغى الاستعانة بالمتخصصين الذين يعون جيدا مردود الرسالة الإعلامية، حتى لا يتم نشر وعى زائف لدى الجمهور.
وأضافت الفايد أن ما ترسخ فى أذهاننا عن المرض النفسى أدى إلى تعطيل فكرة الاعتراف بأهمية الطب النفسى، قائلة: «نحن فى حاجة ماسة لمعالجة ثقافية تمحو الصورة القديمة المغلوطة عن العلاج النفسى.. وهنا يبرز دور وسائل الإعلام التقليدية والجديدة كمنصات التواصل الاجتماعى.. هذا بالإضافة للمناهج التعليمية وضرورة عودة دور الإخصائى النفسى للمدارس مرة أخرى».. وأوضحت الفايد أن العالم بأكمله أدرك أهمية العلاج النفسى حتى أن هناك مؤسسات وشركات توفير «اخصائى نفسى» يتعامل مع الموظفين دائما، فنظرا للضغوط الحياتية التى يتعرض لها الجميع من الممكن أن يؤثر ذلك على أدائه فدائما ما تحرص الشركات على توفير كافة سبل الرعاية لموظفيها حتى وإن كانت نفسية.
 

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا